«شظايا»… انتصار الرؤية على الزمن وعودة كاتب ياسين إلى الركح بلغة جديدة

0
347

ليست قيمة العروض المسرحية الكبرى في قدرتها على البقاء داخل ذاكرة المتلقي فحسب، وإنما في قابليتها لأن تُبعث من جديد دون أن تفقد جوهرها.

وهذا ما يحققه عرض «شظايا» للمسرح الجهوي لسيدي بلعباس، الذي يعود إلى الخشبة سنة 2026، بعد أن وُلد سنة 2010 وفق تصميم المبدع أحسن عسوس، ليؤكد أن الرؤى المسرحية الأصيلة لا يحدها الزمن، بل تتجدد كلما وجدت من يحملها بوعي ومسؤولية.

وقد جاءت هذه العودة من خلال تنفيذ إخراجي لـعبد القادر جريو، مع المحافظة على الخط الجمالي العام للعمل، واستشارة فنية لـعز الدين عبار، في تجربة لا تستعيد الماضي بقدر ما تعيد إحياءه داخل أفق مسرحي معاصر.

العمل، المقتبس من نصوص كاتب ياسين بواسطة يوسف ميلة، لا ينقل النصوص إلى الركح بصيغتها الأدبية، بل يعيد إنتاجها دراماتورجيًا، جاعلًا من التشظي أساسًا لبنيته الفنية.

فلا وجود لحكاية خطية أو أحداث متتابعة، وإنما فسيفساء من الصور والمواقف والأصوات، تتآلف لتصنع خطابًا مسرحيًا ينشغل بالإنسان والحرية والذاكرة أكثر من انشغاله بسرد الوقائع.

ضمن هذا البناء، تتحول الشخصيات إلى منظومة رمزية تتجاوز وظائفها الدرامية التقليدية. فقد قدمت سعاد جناتي شخصية نجمة بوصفها القلب النابض للعرض؛ ليست امرأة بقدر ما هي الوطن في حالته الشعرية، والهوية التي تستعصي على الامتلاك، والحلم الذي يرفض الانكسار.

وجاء حضورها متزنًا، قائمًا على الاقتصاد في الأداء وكثافة الإيحاء، فبدت مركزًا تلتقي عنده بقية الشخصيات، كما أرادها كاتب ياسين رمزًا مفتوحًا على الحرية والانتماء.

وفي المقابل، منحت دليلة نوار شخصية الأم بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير، إذ ارتقت بها من الأم الفرد إلى صورة الأم الجزائرية التي حملت عبء الوطن بصمت، واحتضنت أبناءها وهم يعبرون نحو المقاومة.

لم يكن حضورها عاطفيًا فقط، بل شكّل ضمير العرض وذاكرته الأخلاقية، مؤكدة أن الأوطان لا تحفظها البطولات المسلحة وحدها، بل يحفظها أيضًا صبر الأمهات وإيمانهن بالحياة.

أما نوال بن عيسى في شخصية مريان، فقد قدمت أحد أكثر الأدوار تركيبًا داخل العرض.

فمريان ليست شخصية شريرة بالمعنى المباشر، وإنما تجسيد للاستبداد حين يتخفى خلف الأقنعة. فهي تتحرك بين خطاب يوحي بالمهادنة ووجه آخر يكشف عن عنف السلطة، لتصبح نموذجًا لبنية القهر القادرة على تغيير أشكالها دون أن تغير جوهرها. وقد منح هذا الأداء الشخصية عمقًا نفسيًا ورمزيًا، وجعلها من أبرز محاور الصراع داخل العرض.

ويحمل عبد القادر جريو، في دور لخضر، صورة الإنسان الجزائري المؤمن بأن الحرية مشروع لا يكتمل إلا بالفعل. جاء أداؤه متزنًا، بعيدًا عن المبالغة، معتمدًا على الحضور الداخلي أكثر من الانفعال الخارجي، ليجسد شخصية تحمل همّ الوطن بوعي ومسؤولية.

وفي الجهة المقابلة، منح عبد الله جلاب شخصية كبلوت بعدًا أسطوريًا وروحيًا، فغدا امتدادًا لذاكرة الأجداد، وصوتًا يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن المقاومة ليست حدثًا تاريخيًا عابرًا، وإنما حالة إنسانية مستمرة.

ولم يكن حضور أبو بكر بن عيسى وبن بكريتي محمد ومربوح عبد الإله مجرد إسناد درامي للبطل، بل مثلوا ثلاثة أصوات داخل الوعي الجمعي؛ أحدها يساوره الشك، وثانٍ يتردد أمام كلفة المواجهة، وثالث يؤمن بضرورة الاستمرار.

ومن خلال هذا التنوع، نجح العرض في تجنب النظرة الأحادية، مقدمًا المقاومة بوصفها فعلًا يولد من الحوار والاختلاف قبل أن يتحول إلى يقين.

بصريًا، حافظ العرض على خصوصيته الجمالية التي أرساها أحسن عسوس، حيث جاءت السينوغرافيا مقتصدة في عناصرها، لكنها ثرية في دلالاتها.

لم يكن الفضاء الركحي مجرد إطار للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في صناعة المعنى، بينما تحولت الإضاءة والظلال وحركة الكتل إلى لغة موازية للنص، تنقل ما تعجز الكلمات عن قوله.

كما لعبت الكوريغرافيا دورًا أساسيًا في بناء الصورة المسرحية، فلم تكن استعراضًا للحركة، بل كتابة جسدية متكاملة، عبرت عن الانكسار كما عبرت عن الثورة، وعن الخوف كما عبرت عن الأمل، في انسجام واضح مع الموسيقى التي أسهمت في صناعة مناخ وجداني يستدعي الذاكرة الجماعية.

ومن أجمل اختيارات العرض توظيف تقنية الميرولاج (Effet Miroir)، التي تجاوزت بعدها البصري لتصبح جزءًا من الخطاب الدراماتورجي.

فالمرآة لم تكن أداة انعكاس، وإنما وسيلة لمساءلة الذات والهوية، حيث بدا الوطن وكأنه يواجه صورته المتكسرة، فيما تحول الانعكاس إلى استعارة بصرية للتشظي الذي يقوم عليه البناء الفني بأكمله.

ولأن المسرح فعل تواصل قبل أن يكون فعل فرجة، جاء كسر الجدار الرابع منسجمًا مع فلسفة العرض، فغادر الممثلون حدود الركح نحو المتلقي، محولين الجمهور من شاهد إلى طرف في الأسئلة التي يطرحها العمل حول الحرية والذاكرة والهوية.

لقد أثبتت الفرقة الفنية الدائمة للمسرح الجهوي لسيدي بلعباس أنها لم تكتف بإعادة تقديم عرض أنجز قبل ستة عشر عامًا، وإنما نجحت في إعادة بث الحياة فيه، محافظة على رؤيته الجمالية، ومؤكدة أن المسرح الحقيقي لا يرتبط بزمن إنتاجه، بل بقدرته على الاستمرار وإعادة اكتشاف نفسه.

في «شظايا» لا يعود كاتب ياسين بوصفه كاتبًا يُقتبس، بل باعتباره مشروعًا فكريًا وجماليًا لا يزال قادرًا على مساءلة الحاضر.

وهنا تكمن قيمة هذا العمل؛ فهو لا يحتفي بالماضي، بل يجعل منه مادة حية لإنتاج أسئلة جديدة، ويؤكد أن المسرح الجزائري، حين يستند إلى رؤية واعية، يستطيع أن يحول الذاكرة إلى فعل إبداعي متجدد، وأن يجعل من الشظايا صورة متكاملة لوطن ما يزال يكتب تاريخه بالجمال، والحرية، والمقاومة.

بقلم: عباسية مدوني