من بيت الحكمة إلى العصر الرقمي: الترجمة في يومها العالمي

0
99
من بيت الحكمة إلى العصر الرقمي: الترجمة في يومها العالمي

منذ فجر التاريخ، كانت الكلمة هي النبراس الذي أضاء دروب الحضارات عبر الزمن. ونقل الكلمة من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى كان ولا يزال الجسر الذي تتنقّل من خلاله المعارف والأفكار.

بفضلها تواصلت الأمم، وتكاملت العلوم والآداب، فازدهرت الحضارات واتسعت آفاق المعرفة الإنسانية. إنّها فن وضرورة معًا؛ تحفظ التراث وتفتح أبوابًا جديدة للفكر، وتجعلنا نرى ما لم نره من قبل، ونسمع ما كان بعيدًا عن مسامعنا.

اقرأ أيضا

list of 4 items

end of list

تخيّل لو أُغلقت أمامنا أبواب النصوص والروايات والأفلام وكل ما كُتب بلغات لا نجيدها؛ كيف كنّا سنعرف شكسبير أو دوستويفسكي أو موراكامي؟ وكيف كنّا سنتابع حبكات دان براون المثيرة ونكتشف عوالم كتّاب آخرين جاؤوا من قارات بعيدة؟ بفضل الترجمة صار القارئ يتنقّل بين مكتبات العالم كما لو كانت مكتبة واحدة، ويضع على طاولته كتب الشرق والغرب جنبًا إلى جنب.

بغداد وبيت الحكمة: عصر الترجمة الذهبي

وإذا كان دور الترجمة يفتح أمامنا أبواب العالم، فإنّ تاريخها في الثقافة العربية يكشف عن رحلة طويلة من التفاعل الحضاري. فقد أسهمت الترجمة عبر القرون في نقل العلوم والمعارف من الحضارات القديمة إلى العرب، ثم من العرب إلى بقية العالم. فتارة حملت إلينا الحكمة الإغريقية، وتارة استمدّت من الفارسية والسريانية علومًا ومعارف، لتصوغ في النهاية نصوصًا بلغة عربية متقنة.

وقد بلغت هذه الحركة ذروتها في العصر العباسي، حيث كان العرب روادًا في ميدان الترجمة مع تأسيس بيت الحكمة في بغداد؛ ذلك المركز العلمي الذي جمع بين رفوفه كنوز الفكر اليوناني والفارسي والسرياني، ليعيد صياغتها بالعربية. ولم تكن تلك الجهود مجرّد نقل حرفي للنصوص، بل كانت عملية إحياء وتطوير للغة والمعرفة، شملت ابتكار مصطلحات جديدة في الفلسفة والطب والرياضيات.

ويُعدّ الطبيب والمترجم حنين بن إسحاق العبادي (809–873م) من أبرز أعلام تلك المرحلة؛ وهو عالم عربي من الحيرة بالعراق، أتقن العربية والسريانية واليونانية والفارسية، وبرع في الطب واللغات معًا. ترجم مئات الكتب، في مقدّمتها أعمال جالينوس في الطب، كما نقل مؤلفات فلسفية لأفلاطون وأرسطو، وأسهم في توحيد المصطلحات الطبية والفلسفية بالعربية، ما أتاح للعلماء اللاحقين استخدامها في بحوثهم وتطويرها.

لكن هذا الازدهار تراجع مع سقوط بغداد على يد المغول عام 1258م، فانطفأت شعلة بيت الحكمة وتفرّقت كنوز المعرفة. ومع ذلك، لم يختفِ أثر تلك الحركة كليًا، فقد ظلّت المخطوطات المترجمة حاضرة وفاعلة في مسار الثقافة العربية والإسلامية.

مدرسة الألسن وبداية النهضة الحديثة

ومع انفتاح العالم العربي على أوروبا في العصر الحديث، أشرقت مصر لتقود مرحلة جديدة من النهضة. فمنذ الحملة الفرنسية عام 1798 وما تبعها من يقظة فكرية، ثم مع إنشاء مدرسة الألسن عام 1835 على يد رفاعة الطهطاوي، انطلقت في مصر حركة ترجمة رائدة جعلتها بوابة العرب إلى الفكر الغربي الحديث.

وقد نقلت مدرسة الألسن إلى العربية كنوز الأدب والفلسفة والقانون والعلوم، وأسهمت في تأسيس نهضة ثقافية امتدت آثارها إلى أنحاء المنطقة. ولم تكتفِ مصر بكونها متلقّية للمعرفة المترجمة، بل أصبحت مركزًا عربيًا بارزًا للنشر والترجمة في القرن العشرين.

فإلى جانب مؤسسة “الهيئة المصرية العامة للكتاب” ظهرت مبادرة المشروع القومي للترجمة عام 1995 تحت مظلة المجلس الأعلى للثقافة، لترجمة أهم المؤلفات العالمية. ومع اتساع المشروع وتزايد إصداراته، صدر في 2006 قرار بإنشاء المركز القومي للترجمة كهيئة مستقلة تستكمل عمل المشروع وتطوّره، مقدّمةً للقارئ العربي مكتبة واسعة من روائع الفكر العالمي بلغته الأم.

الترجمة في العصر الرقمي

اليوم، ومع التحوّلات الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي، دخلت الترجمة مرحلة جديدة. صحيح أن تطبيقات مثل «غوغل ترانسليت» و«ريفيرسو كونتكست» و«ديب إل» جعلت من السهل على أي شخص تخطّي الحواجز اللغوية في ثوانٍ معدودة، وأتاحت الوصول الفوري إلى نصوص ومحتويات بلغات مختلفة، لكن هذه التقنيات تبقى عاجزة عن أداء دور المترجم البشري في التقاط روح النص وأبعاده، وفهم سياقاته ومعانيه الضمنية.

يوم عالمي يكرّم المترجمين

ولهذا، كان من الضروري تخصيص يوم عالمي يذكّر بقيمة الترجمة ودور المترجمين في عالمنا المعاصر. فاختير الثلاثون من سبتمبر ليكون اليوم العالمي للترجمة، وهو مناسبة أطلقها الاتحاد الدولي للمترجمين وتبنّته الأمم المتحدة، بالتزامن مع ذكرى رحيل القديس جيروم، شفيع المترجمين وصاحب الترجمة اللاتينية الشهيرة للكتاب المقدّس «الفولغاتا»، التي ظلّت المرجع الرسمي للكنيسة الغربية لقرون طويلة.

جاءت هذه المناسبة لتكون اعترافًا عالميًا بجهود المترجمين وتقديرًا لدورهم في بناء الجسور بين الشعوب وصون التراث الإنساني من الضياع. وهي فرصة لتسليط الضوء على التحديات التي يواجهها المترجمون اليوم، من بينها ضعف التقدير الاجتماعي لمهنتهم، والمطالبة بأجر عادل يتناسب مع حجم الجهد المبذول، فضلًا عن التنافس مع أدوات الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي التي تزداد حضورًا.

وبين الماضي المتمثل في بيت الحكمة في بغداد ومدرسة الألسن في مصر، والحاضر الزاخر بالتقنيات الرقمية، تبقى الترجمة فعلًا حضاريًا متجدّدًا، ووسيلة لا غنى عنها لاكتشاف إنسانيتنا المشتركة وصون ذاكرتنا الثقافية.