يأتي كتاب «نصوص تجليات الوهراني» للكاتب زين الدين يحي بن حمو بوصفه محاولة عميقة لإعادة كتابة المدينة من داخل نسيجها الإنساني، بعيدًا عن الروايات الجاهزة وصور البطاقات البريدية.
فالمدينة، كما يقترحها المؤلّف، ليست مباني ولا معالم فحسب، بل ذاكرة متحركة يسكنها بشرٌ عاديون، يتوارون خلف الضجيج لكنهم يمسكون بخيوط الهوية غير المرئية.
الكتاب ينسف فكرة «المركز», ويمنح للهامش حقَّه في الكلام. من هنا تكتسب شخصية هراندو معناها الحقيقي: ليس مجرد فنان شعبي، بل تجسيدٌ لصوت المدينة حين تُقصى. من خلاله يطرح الكاتب سؤالًا أعمق: من يصنع صورة وهران؟ هل هم نجوم الواجهة، أم أولئك الذين تلتقطهم الحياة على استحياء ثم تنساهم السرديات الكبرى؟
وبالمقابل، تستعيد القايدة حليمة الدور الغائب للمرأة في تشكيل الذاكرة الحضرية.
حضورها في عمران المدينة، وفي تفاصيل الحياة الاجتماعية، يكشف أن تاريخ وهران ليس خطًّا ذكوريًا، بل شبكة من التأثيرات التي تجاهلتها الحكاية الرسمية طويلًا.
أما فكري، المولود في زمن الشاشات، فيجسّد التحوّل الجديد لوهران: مدينة يعيشها جيل رقمي، يكتبها بلغته، ويغادرها أحيانًا مثل ومضة. رحيله عند كابوروسو لا يأتي كحدثٍ مأساوي فقط، بل كعتبة رمزية بين ما تتذكّره المدينة وما تخفيه خلف صمتها.
بهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب مجموعة نصوص، بل مشروع قراءة يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه مركز الحكاية. ويخلص إلى أن روح وهران ليست في عمرانها ولا في تاريخها الرسمي، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي يتركها أبناء الهامش على جدران الزمن.
بقلم : عباسية مدوني
