«الفن والعفن»… حين تصعد الحقيقة إلى الخشبة وتعرّي الزيف

0
510

على هامش فعاليات المهرجان الوطني لمسرح الهواة بمستغانم ، احتضن مسرح سيدي بلعباس وعلى مستوى قاعة سينما العمارنة ، عرضا مسرحيا في طابع ( الديو ) من توقيع فرقة مسرح اليوم من وهران .

حيث ، وفي عرضٍ مسرحيٍّ جريءٍ ونافذٍ بعنوان «الفن والعفن» من تشخيص الثنائي ” العوني أحمد” و ” حاج براهيم بوزيد ” ، تتجسد المفارقة الكبرى بين الفن كرسالة روحية وإنسانية، وبين العفن كظاهرةٍ هجينةٍ تسللت إلى المشهد الثقافي باسم الشهرة السريعة.

العرض، الذي جاء في شكل حواري بين فنانين من عالمين متناقضين، فتح جرح الأسئلة العميقة حول ما آلت إليه الذائقة، وحول الحدود المائعة بين الصدق الفني والتمثيل المفرغ من المعنى.

على خشبة شبه عارية، يتقابل فنانٌ حقيقي يحمل وجعه وصوته وذاكرته، مع آخر «افتراضي» صنعته كاميرات الهواتف وتعليقات المتابعين ، مع أرقام اللايكات ، إذ بينهما تتفجر المفارقات: الأول يبحث عن الجمال في التعب والمعنى، والثاني يلهث خلف الخفة والانتشار.

وهنا تتجلى قوة العرض في قدرته على تحويل الصراع الجمالي إلى صراع وجودي، حيث يصبح السؤال: من بقي للفن؟ ومن باعه؟

إخراجياً، اعتمد العمل على اقتصاد الفضاء وتكثيف الأداء، مما زاد من حدة التوتر الدرامي وأبرز عمق الفكرة دون خطابة مباشرة ، أما النص فكتب بوعي نقدي، يتنقل بين السخرية والمرارة، ليكشف انحدار القيم الجمالية في زمن “اللا معنى”.

«الفن والعفن» ليس مجرد عرض، بل صرخة واعية ضد التزييف الثقافي، ومرافعة من أجل إعادة الاعتبار للفنان الحقيقي الذي يزرع الجمال دون أن يبيع روحه.

عرض كتب نصه وأخرجه ” العوني أحمد ” ليُذكّرنا بأن الفن لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرته على لمس جوهر الإنسان.

«الفن والعفن» عمل مسرحي جريء يُعيد فتح سؤال: ما الذي نسميه فنًا، ومن نعتبره فنانًا؟

العرض لا يمنح إجابات حاسمة، بل يطرح طريقًا للمساءلة والتفكير، ويحوّل النقاش النظري إلى تجربة حسّية حية.

يخرج المتفرّج من القاعة محمّلًا بصور واستفزازات فكرية أكثر من خلاصات جاهزة.

العمل يدعونا إلى التعامل مع ظاهرة «الفن الهجين» لا بالرفض الأعمى ولا بالاحتفاء السطحي، بل بوعي نقدي يُميّز بين ما يُثري التجربة الجمالية وما يُفرغها من معناها.

هنا يبرز دور الجمهور والمثقف والمؤسسة الثقافية في بناء معايير تقييم جديدة توازن بين العمق والابتكار، وتحمي الفن من التحلل في زمن الاستهلاك الرقمي.

بقلم : عباسية مدوني