الفيلم القصير “زهرة”… حين تطرح البراءة أسئلة الوجود

0
469

ضمن فعاليات مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي ، وعلى مستوى متحف السينما الجزائرية ، خارج المنافسة تم عرض الفيلم القصير ” زهرة ” للمخرج والسيناريست ” براهيم دندان ” وسط حضور جماهيري واسع من صناع وعشاق الفن السابع ممن احتفوا بالتجربة السينمائية وبطلة الفيلم البرعمة ” بوخاتمي حنان ” أصغر مشاركة بالمهرجان .

حيث ، وفي تجربةٍ سينمائية جديدة تجمع بين الفلسفة والشاعرية، يكشف المخرج الشاب ” براهيم دندان ” عن رؤيته الفنية في فيلمه القصير الذي يلامس جدلية الموت والحياة من زاويةٍ طفوليةٍ بريئة، تجمع بين الدهشة والسؤال.

الفيلم، الذي يمثل التجربة الإخراجية الثالثة لدندان المنحدر من ولاية سيدي بلعباس، يضع المتلقي أمام عالم الطفولة بكل ما يحمله من فضولٍ فطريٍّ وقدرةٍ على مساءلة الوجود من خارج حدود المنطق، حيث تتحول البراءة إلى أداةٍ فلسفيةٍ لكشف أعمق المعاني الإنسانية.

تستهلّ الحكاية بميلاد طفلةٍ يُؤرخ له في اللحظة ذاتها التي تُسجل فيها وفاة والدتها، لتنشأ بين الميلاد والفقد علاقة خفية تختصر المسافة بين البداية والنهاية ، ومن هذه المفارقة الوجودية يبني المخرج سرديته بلغةٍ بصريةٍ شاعرية، تُحوّل الألم إلى طيفٍ من الحنين والبحث عن الذات، وتُجسّد فكرة الحياة كرحلةٍ متواصلة بين الغياب والحضور.

فـ”زهرة” ليست مجرد طفلةٍ على الشاشة، بل رمزٌ إنسانيٌّ عميق يعكس صراع الإنسان الدائم مع فكرة الفناء والتجدد.

اعتمد دندان في طرحه على خيال الطفولة كفضاء فلسفي مفتوح، ليقدّم من خلاله أسئلة كبرى بعيون صغيرة، متكئًا على أداءٍ حساسٍ لمجموعة من الوجوه الشابة بما فيهم البطلة الطفلة حنان بوخاتمي، ومشاركة كل من حنان غفير، يوسف بن جبارة، فاطمة بلعربي محاجي بن سعيد، ويسرى بشيخ، الذين أدارهم المخرج برؤيةٍ تمزج بين الحس الإنساني والدقة الفنية.

أما بصريًا، فقد صاغ المصور وليد بهيليل الصورة بحسٍّ واقعيٍّ شاعري، معتمدًا الإضاءة الطبيعية وكاميرا واحدة، ما منح العمل صدقًا بصريًا وانسجامًا مع روح النص. وتم تصوير الفيلم في احدى المناطق بسيدي بلعباس التي جمعت بين بساطة الطبيعة وعمقها التأملي، لتكون الخلفية المثالية لعالم الطفلة الداخلي.

ومن خلال رمزية مشاهد غرس زهرة للنباتات وسقيها، يرسم دندان خيطًا دلاليًا يربط بين الحياة كاستمرارٍ والموت كمصدرٍ للتجدد، مانحًا الفيلم بعدًا إنسانيًا مؤثرًا يلامس وجدان المتلقي.

ويبدو أن المخرج قد استلهم من الطفولته والذاكرة الشخصية ما جعله يقدّم عملاً يتجاوز الواقعي نحو تأملٍ وجوديٍّ في معنى البقاء والرحيل.

بهذا العمل، يثبت إبراهيم دندان أن السينما المستقلة الجزائرية ما تزال قادرة على صناعة الدهشة رغم محدودية الإمكانيات، حين يكون الدافع الحقيقي هو الإيمان بالفن كطريقٍ لاكتشاف الذات وفهم العالم.

بقلم : عباسية مدوني