ثقافة:مسرح سما ..شتات من ألم حين انصهار نصوص بريخت مع شعر درويش

0
368

 

في لحظات غامرة من المسرح ، التقى شباب مسرحي شغوف من ثلاث مناطق من ربوع الجزائر القارة ، ثالوث مسرحي من سيدي بلعباس ،وهران ومستغانم ،وفي مدة لا تتجاوز ربع ساعة من الفن الرابع ، اجتمع تاريخان، ووجهان، وروحان، ليتحوّلا إلى جسد مسرحي نابض يسائل العالم في خضم الخراب الحاصل ،لم يكن ذلك مشهداً عادياً، بل صراعاً داخلياً، مكثّفاً، بين الكلمة والوجود، بين الألم والالتزام، بين بريخت ودرويش.

سما ..شتات من ألم من توقيع الفنان المسرحي المبدع ” يحي زين الدين بن حمو” من وهران ، مساعد مخرج ” عبدي محمد هشام ” من سيدي بلعباس ،وكوريغرافيا ” تقي الدين أكرم بلقاسم ” من مستغانم ، مع ثلة من شباب مسرحي ذكورا وإناثا ضمن تكوين مسرحي في ظرف قياسي ،وضمن ثالث التجارب المسرحية.

تم عرض مشهد على الركح ليس كاقتباس، بل كاشتباك جمالي وفلسفي، تُسكب فيه عصارة تكوين مسرحي عميق، ويُستثمر فيه جسد الممثل كوسيط بين رؤيتين تتقاطعان في جوهرهما: الإنسان أولاً ،والإنسانية في المقام الأول ، وذلكم على مستوى ركح المسرح الصغير لولاية عين تموشنت ،فضاء محتضنا لتجارب هؤلاء الشباب .

من النص إلى الجسد: الكلمة تتجسّد


حين نرى ممثلاً يحمل طاقة درامية تُمثّل درويش حينًا، وتتمثل بريخت حينًا آخر، فإننا لا نتابع “تشخيصاً”، بل “تجسيدًا”. الكلمة في هذا المشهد ليست فقط شعراً أو تنظيراً، بل تتحوّل إلى نبض في الجسد، رعشة في الصوت، توق في النظرة ، جسد الممثل هنا لا ينقل فقط خطاباً، بل ينفعل به، يخلقه من جديد، ينفجر من خلاله كصرخة وجودية بلغة عربية فصحى نقشت جماليتها من سحر محمود درويش ، ووضعت بصمتها من نصوص “برتولد فريديريش برخت”

مسرحة الالتزام: حين يصبح السؤال درامياً

المشهد المقدم من الشباب لم يكن موعظة ولا بياناً سياسياً، بل كان في قالب تفاعل حيّ بين مقاربتين:

بريخت، الذي أراد أن يوقظ المتفرّج من التماهي، أن يكسر الجدار الرابع، أن يُدخل العقل إلى المسرح .

ودرويش، الذي حمّل الشعر أكثر من جمال، حمّله تجربة شعبٍ وتاريخٍ، وأحاله إلى جرحٍ يكتب.

في هذا التمازج، كان التمثيل نوعاً من الجدل الجسدي بين العقل والعاطفة، بين من يقول “فكّر ” ومن يقول “اشعر بي” ، لكنّ الاثنين يتلاقيان في جوهر الالتزام: أن لا يبقى الإنسان متفرجًا على مأساته.

الركح كفضاء للتطهير والتفكير

كان المشهد في سينوغرافيته بسيطا لكن ملهما ، كما في المسرح الملحمي ،الإضاءة جاءت لكشف البنية لا لإخفائها. كل تفصيل في هذا المشهد يخدم غرضًا أعمق: كسر الوهم، وكشف الحقيقة.

الممثل في هذه اللوحة المسرحية لا “يعيش الدور”، بل “يعرضه”، يفتحه كجرح أمام الجمهور، ثم يتراجع، فيدعونا نفكر:
“هل ما رأيناه هو درويش؟ أم نحن؟ هل كان بريخت أم مرآتنا؟”

سما ..شتات من ألم… لكنه مسرح …طاقة وإبداع …

نخرج من المشهد ونحن نحمل سؤالاً وليس جواباً، نحمل انفعالاً يتجاوز لحظة الركح، ويدفعنا إلى الخارج ، وهذا هو المسرح الحقيقي، حين يتحوّل إلى صدمة فكرية وشعورية تُربكنا، وتُقلق يقيننا.

في ” سما ..شتات من ألم ” الممثل هنا ليس ناقلاً لأفكار بريخت ودرويش، بل مُجسِّدا لالتقائهما في داخله.

في ربع ساعة فقط، يتحول المسرح إلى مرآة للعالم، والممثل إلى ضمير حيّ يسائلنا:
“ماذا فعلنا بالإنسان؟” . لتبقى طاقة الشباب متاحة لاستثمار أعمق على المدى القريب ، وروح الفريق العملة النادرة المعول عليها ،والمعجونة بشغف وحب المسرح .

بقلم : عباسية مدوني