يستعد الصالون الدولي للكتاب – سيلا 2025 – لاحتضان إصدارٍ جديدٍ يثري المشهد المسرحي والفكري بعنوان «السينوغرافيا والرؤية الإخراجية: الأبعاد الجمالية بين التجريب والتحديث» للسينوغراف الدكتور ” حمزة جاب الله” ، هذا المولود النقدي يعتبر مؤلَّفا أكاديميا وفلسفيا يفتح أفقًا جديدًا في قراءة الفعل المسرحي من زاوية جمالية عميقة تتجاوز التقليد نحو الابتكار.
الكتاب لا يتناول السينوغرافيا بوصفها مجرد عناصر تقنية كالإضاءة والديكور والأزياء، بل يقدّمها كلغة وجودية تتحدث إلى الحسّ والفكر معًا، وتُحوِّل الخشبة إلى مختبرٍ للجمال والمعنى ، فالمؤلف يقترح مقاربةً تنظر إلى السينوغرافيا باعتبارها جوهر الرؤية الإخراجية لا تابعًا لها، إذ تشارك في صياغة الفكرة وتشكيل الفضاء وبناء التفاعل بين النص والممثل والمتلقي.
ينطلق هذا العمل من أرضية فلسفية راسخة تمتدّ من أفلاطون وأرسطو إلى كانط وهيغل، ليعيد طرح السؤال الجوهري: ما هو الجمال في المسرح؟
وفق هذه الرؤية، لا يُختزل الجمال في الزخرفة أو الإبهار البصري، بل في القدرة على توليد الدلالة عبر الصورة والضوء والحركة والصوت، أي عبر ما يمكن تسميته بـ “الخطاب البصري-السمعي” الذي يحاور النص المكتوب والوجدان الإنساني في آنٍ واحد.
ويُضيء المؤلف” حمزة جاب الله ‘ في فصوله تطور مفهوم السينوغرافيا عبر التاريخ، من كونها إطارًا مصاحبًا للعرض إلى أن أصبحت كيانًا فلسفيًا مستقلًا يسهم في بناء المعنى المسرحي، مرورًا بتجارب كبرى لرموز الحداثة والتجريب مثل ستانسلافسكي، آرتو، غروتوفسكي، بيتر بروك، ، الذين جعلوا من الفضاء المسرحي مرآةً للقلق الوجودي وأسئلة العصر.
بهذا المعنى، يأتي الكتاب ليضيف لبنة نوعية في النقد المسرحي العربي، إذ يدعو إلى إعادة التفكير في علاقة المخرج بالفضاء، والنص بالصورة، والمتلقي بالعرض، ضمن منظور يجعل من السينوغرافيا حوارًا فلسفيًا مفتوحًا بين الفكر والحسّ، بين المرئي والمجرد.
انه عمل لا يخاطب الأكاديميين فقط، بل يوجّه نداءً إلى المبدعين والنقاد والمخرجين، ليدفعهم إلى تجاوز التقاليد المسرحية الجامدة نحو أفقٍ أكثر حيوية وتجدّدًا.
فالسينوغرافيا لم تعد ترفًا جماليًا، بل أداة تفكير في ماهية المسرح ذاته، وفي قدرة الفن على التعبير عن الإنسان في لحظته الوجودية الأعمق.
بصدور هذا الكتاب، تُثري المكتبة المسرحية العربية مؤلفًا يُنتظر أن يفتح نقاشًا نقديًا واسعًا حول تحولات الجمال المسرحي في زمن التجريب والتحديث، ويمنح المسرح العربي فرصةً جديدة لتجديد لغته البصرية والفكرية في آن واحد. وتجدر الإشارة الى أن صاحب المؤلف ، الدكتور ” حمزة جاب الله” سينوغراف و مسرحي
جزائري، يُعدّ من أبرز الأسماء المتألقة في المشهد المسرحي العربي المعاصر ، كما يتميز برؤية جمالية وفكرية عميقة تنطلق من الفلسفة والتأمل البصري، ما جعله من الأصوات المسرحية المبدعة التي تزاوج بين الحس الجمالي والوعي الفكري.
حاز على جائزة الجمهورية للشباب المبدعين عام (2012) في مجال فنون العرض، إلى جانب مشاركاته المتميزة في مهرجانات وملتقيات وطنية ودولية.
يمثل الدكتور حمزة جاب الله أحد الوجوه الفاعلة في الساحة الأكاديمية والمسرحية، إذ شارك في ورش عمل ودراسات أكاديمية تناولت قضايا السينوغرافيا، الإخراج، والجماليات المسرحية ، كما ساهم بفعالية في جهود إصلاح وتطوير المشهد الثقافي الجزائري عبر بحوثه ومداخلاته النظرية والتطبيقية.
ومنه ، يأتي هذا الكتاب امتدادًا لمشروعه الفني والفكري الرامي إلى تأصيل السينوغرافيا بوصفها لغة بصرية فلسفية تتقاطع فيها العين والعقل والوجدان، لتُعيد للمشهد المسرحي بعده الإبداعي العميق ومكانته كفنّ يخاطب البصر والروح في آنٍ واحد.
صفوة القول ، أن هذا الكتاب يذكّرنا بأن المسرح ليس مكانًا للعرض فحسب، بل فضاء للتفكير في الجمال والإنسان ، إذ من خلاله تستعيد السينوغرافيا جوهرها بوصفها نبض الرؤية الإخراجية ولغتها الأعمق، حيث يلتقي الضوء بالفكرة، والحسّ بالفلسفة، ليولد المسرح من جديد بروحٍ أكثر تجريبًا وحداثة.
بقلم : عباسية مدوني
