زيارة الرئيس تبون إلى تركيا… علاقة دبلوماسية وبناء توازنات إقليمية جديدة

0
419

زيارة الرئيس تبون إلى تركيا…  علاقة دبلوماسية وبناء توازنات إقليمية جديدة
لا يمكن قراءة زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تركيا في بعدها الثنائي فقط، بل تندرج ضمن رؤية جزائرية أوسع لإعادة تموقع دبلوماسي هادئ ومتوازن في محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
فالجزائر، التي تنتهج منذ سنوات مقاربة تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية والانفتاح المتوازن على مختلف القوى الدولية والإقليمية، تدرك اليوم أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفرض بناء تحالفات مرنة قائمة على المصالح المتبادلة لا على الاصطفافات الظرفية. ومن هذا المنطلق، تبدو تركيا شريكا محوريا يمتلك حضورا مؤثرا في معادلات المتوسط، والشرق الأوسط، وإفريقيا، بما يمنح العلاقات الجزائرية–التركية بعدا استراتيجيا يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون.
كما تعكس هذه الزيارة توجها جزائريا نحو تعزيز ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الاقتصادية السيادية”، أي توظيف الشراكات الدولية لخدمة التنمية الوطنية ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة، بعيدا عن نماذج التبعية الاقتصادية الكلاسيكية. فالتجربة التركية في مجالات الصناعة، والبنية التحتية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتصنيع العسكري، تمثل بالنسبة للجزائر مجالا مهما لتبادل الخبرات وبناء شراكات إنتاج حقيقية.
ومن زاوية أخرى، تحمل الزيارة رسالة سياسية تتعلق بأهمية بناء فضاءات إقليمية للحوار والتنسيق بين القوى المتوسطة الصاعدة، خاصة في ظل تراجع فعالية بعض المنظومات الدولية التقليدية. فالجزائر وتركيا تملكان تقاطعات مهمة في عدد من الملفات، أبرزها دعم الحلول السياسية للأزمات، ورفض التدخلات الخارجية، والدفاع عن مبدأ سيادة الدول، وهي ثوابت تمنح العلاقة الثنائية قابلية أكبر للتنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية.
كما أن هذا التقارب يعكس وعيا مشتركا بأهمية الأمن المتوسطي والإفريقي، في ظل التحديات المرتبطة بالطاقة والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود والتوترات الجيوسياسية في الساحل وليبيا وشرق المتوسط. وهو ما قد يفتح مستقبلا المجال أمام آليات تنسيق أوسع في مجالات الأمن الطاقوي والتعاون اللوجستي والاستثمار في البنى التحتية العابرة للأقاليم.
وعلى المستوى الاستشرافي، تبدو الجزائر حريصة من خلال هذه الزيارة على ترسيخ صورتها كقوة إقليمية مستقرة وقادرة على لعب أدوار توازن وحوار في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها الطاقوي وعمقها الإفريقي والمتوسطي. وفي المقابل، ترى تركيا في الجزائر شريكا موثوقا وبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، خاصة مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعرفها القارة.
إن الرهان الحقيقي لهذه الزيارة لا يكمن فقط في الاتفاقيات التي قد تُوقّع أو المشاريع التي قد تُعلن، بل في قدرتها على تأسيس نموذج تعاون طويل المدى يقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق السياسي، والرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة، ضمن عالم يتجه أكثر فأكثر نحو تعدد الأقطاب وإعادة تشكيل موازين النفوذ الدولية.

بقلم : عباسية مدوني