ملف النظافة بوهران يعود إلى الواجهة.. هل تتكرر أخطاء الماضي؟

0
120

ملف النظافة بوهران يعود إلى الواجهة.. هل تتكرر أخطاء الماضي؟

بعد سنوات من الجهود المكثفة للقضاء على النقاط السوداء واستعادة الوجه الجمالي لعاصمة الغرب الجزائري، عاد ملف النظافة والبيئة ليطرح نفسه من جديد على طاولة السلطات المحلية، وسط دعوات إلى عدم السماح بعودة المشاهد التي أثارت استياء الوهرانيين خلال السنوات الماضية.

عاد ملف النظافة وتهيئة المحيط في ولاية وهران إلى الواجهة، بعدما كان يُعتقد أن السلطات المحلية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من طي هذا الملف بشكل نهائي، عقب عمليات واسعة سخرت لها إمكانيات مادية وبشرية كبيرة، بهدف القضاء على النقاط السوداء وتحسين الإطار الحضري واستعادة الوجه الجمالي للمدينة.

فالنظافة لم تعد بالنسبة لمدينة وهران مجرد مسألة مرتبطة بجمع النفايات ورفع المخلفات، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من صورة المدينة، ومؤشرًا على مدى نجاعة التسيير المحلي وقدرة المسؤولين على الحفاظ على النتائج المحققة، خصوصًا في مدينة سياحية وساحلية تستقبل على مدار السنة أعدادًا كبيرة من الزوار.

جهود سابقة كلفت إمكانيات كبيرة

ولسنوات، شكلت وضعية النظافة وانتشار النقاط السوداء أحد أبرز الملفات التي أثقلت كاهل السلطات المحلية، في ظل تراكم مخلفات ومشاهد أثارت في فترات سابقة موجة من الانتقادات والسخط وسط السكان.

وأمام هذه الوضعية، تم إطلاق عمليات واسعة لإعادة الاعتبار للمحيط الحضري، مع تجنيد مختلف المصالح وتسخير الوسائل المادية والبشرية، حيث عملت السلطات على معالجة النقاط السوداء ورفع النفايات وإعادة تهيئة عدد من المساحات، في محاولة لإعادة الوجه الحضاري الذي يليق بمدينة بحجم وهران ومكانتها.

وقد سمحت تلك الجهود، في مراحل مختلفة، بتحقيق نتائج ملموسة في عدد من الأحياء والمناطق، الأمر الذي جعل ملف النظافة يتراجع نسبيًا عن صدارة اهتمامات الرأي العام المحلي.

غير أن عودة بعض المظاهر السلبية خلال الفترة الأخيرة أعادت الملف إلى الواجهة، وطرحت تساؤلات حول مدى قدرة الجماعات المحلية على الحفاظ على المكاسب المحققة وعدم العودة إلى نقطة الصفر.

والي وهران يشدد على المسؤولية

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السلطات الولائية عازمة على التعامل بصرامة أكبر مع ملف النظافة وتهيئة المحيط، حيث شدد والي وهران، إبراهيم أوشان، على ضرورة التكفل بالنقاط السوداء ومعالجة مظاهر التهاون التي من شأنها أن تؤثر على الإطار الحضري للمدينة.

كما اتخذت السلطات إجراءات تجاه عدد من المسؤولين المحليين، في سياق تحميل المسؤولية للمشرفين على التسيير المحلي ومتابعة مدى تنفيذ التعليمات المتعلقة بالنظافة والبيئة وتهيئة المحيط.

وتعكس هذه الإجراءات، بحسب المتابعين للشأن المحلي، توجهًا نحو الانتقال من مرحلة معالجة النقاط السوداء بعد ظهورها إلى اعتماد مقاربة أكثر استباقية، تقوم على المتابعة اليومية والمراقبة المستمرة، بدل انتظار تراكم النفايات والمخلفات قبل التدخل.

وهران لا تحتمل العودة إلى الوراء

ويرى متابعون أن خصوصية مدينة وهران تجعل من الصعب التعامل مع ملف النظافة باعتباره ملفًا ظرفيًا، خصوصًا وأن المدينة تعد من أبرز الوجهات السياحية في الجزائر، كما أن صورتها أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمستوى نظافة شوارعها وأحيائها وفضاءاتها العمومية.

فالمشهد الحضري يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من نظافة الشوارع والأرصفة، إلى حالة المساحات الخضراء، ورفع النفايات، والقضاء على النقاط السوداء، وصولًا إلى المحافظة على الواجهات والمناطق التي يقصدها الزوار.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تراجع في مستوى النظافة لا ينعكس فقط على راحة السكان، وإنما يؤثر أيضًا على صورة المدينة ومكانتها السياحية والاقتصادية.

هل نحن أمام سيناريو جديد؟

عودة الحديث عن النظافة في وهران تطرح سؤالًا مهمًا: هل يتعلق الأمر بتراجع ظرفي يمكن تداركه، أم أن المدينة بدأت تعود تدريجيًا إلى سيناريو السنوات الماضية؟

المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن الوضع عاد إلى ما كان عليه سابقًا، خاصة في ظل التحرك المبكر للسلطات الولائية ومحاولة تدارك النقائص قبل تفاقمها، وهو ما قد يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن سابقاتها.

فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في رفع النفايات والقضاء على النقاط السوداء الموجودة، وإنما في ضمان عدم عودتها من جديد، وهو تحدٍ يتطلب تنسيقًا دائمًا بين مختلف المصالح، ومراقبة مستمرة، إلى جانب إشراك المواطن في الحفاظ على المحيط.

النظافة مسؤولية مشتركة

وبقدر ما تتحمل السلطات المحلية مسؤولية توفير الوسائل والإمكانيات وتنظيم عمليات جمع النفايات ورفعها، فإن المواطن بدوره يبقى طرفًا أساسيًا في معادلة الحفاظ على نظافة المدينة.

فالقضاء على نقطة سوداء قد يتطلب إمكانيات وفرقًا ووسائل، لكن الحفاظ عليها نظيفة يتطلب وعيًا جماعيًا وسلوكًا يوميًا مسؤولًا.

ومن هنا، فإن نجاح أي خطة للنظافة لا يقاس بعدد الحملات التي يتم إطلاقها، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج مستدامة، وتحويل النظافة من حملات ظرفية إلى ثقافة يومية وممارسة دائمة.

المعركة الحقيقية هي الحفاظ على المكتسبات

وهران اليوم أمام فرصة جديدة لتثبيت ما تحقق خلال السنوات الماضية، وتفادي تكرار الأخطاء التي جعلت ملف النظافة في وقت سابق أحد أكثر الملفات حساسية على المستوى المحلي.

فالمدينة التي سخرت لها السلطات إمكانيات كبيرة لاستعادة بريقها، لا تحتاج إلى حملات متكررة لمعالجة نفس النقاط السوداء، بقدر حاجتها إلى منظومة تسيير ومتابعة تمنع ظهورها من الأساس.

وبين تشديد السلطات الولائية من جهة، ومسؤولية المنتخبين والمسؤولين المحليين من جهة أخرى، تبقى الكرة أيضًا في ملعب المواطن.

فملف النظافة في وهران قد يكون عاد إلى الواجهة، لكن الأهم هذه المرة ألا يعود إلى نقطة الصفر.