تشهد مدن المغرب منذ أسابيع الى اللحظة احتجاجات متصاعدة قادها شباب الجيل الجديد، رفضًا لتدهور الخدمات الصحية والتعليمية وتفاقم البطالة.
هذه الموجة غير المسبوقة من التعبئة الشعبية لم تكشف فقط حجم الاحتقان الاجتماعي، بل عرّت أيضًا هشاشة الحكومة في إدارة الأزمات، وغياب رؤية إصلاحية واضحة.
وبينما يطالب الشارع بخطوات ملموسة تعيد الثقة في مؤسسات الدولة، يبدو أن الحكومة تكتفي بوعود فضفاضة وإجراءات محدودة لا ترقى إلى حجم التحديات.
أزمة تتجاوز المطالب الاجتماعية
رغم أن الشرارة الأولى للاحتجاجات ارتبطت بحادثة وفاة نساء في مستشفى عمومي بأغادير، فإن الحركة الشبابية سرعان ما تحولت إلى منصة للتعبير عن تراكمات طويلة: تراجع مستوى التعليم، ضعف الرعاية الصحية، وغياب العدالة الاجتماعية.
هذه المطالب لا تقتصر على تحسين الخدمات، بل تعكس أزمة ثقة شاملة بين المواطن والحكومة.
تقاعس حكومي وارتباك في الموقف
1. تكرار الخطاب دون حلول: الحكومة أعادت إنتاج نفس الخطاب الذي رددته حكومات سابقة، حول “أولوية الإصلاح” و“التزام الدولة بالتنمية”، دون طرح خارطة طريق عملية أو مواعيد زمنية للتنفيذ.
2. ردود فعل متأخرة: بدل المبادرة إلى إصلاحات استباقية، جاء تحرك الحكومة كرد فعل على تصاعد الغضب الشعبي، ما أعطى انطباعًا بالارتباك واللاجدية.
3. معالجة أمنية بدل سياسية: الاعتماد على الاعتقالات والمنع لتفريق المظاهرات يعكس غياب إرادة سياسية في احتواء الأزمة عبر الحوار والتفاوض.
أبعاد سياسية واقتصادية
تآكل المصداقية السياسية: الشارع يرى أن المؤسسات المنتخبة عاجزة عن لعب دورها في الرقابة وصنع القرار، ما يضعف ثقة المواطن في جدوى المشاركة السياسية.
الأولويات المالية المنحازة: إنفاق مليارات على مشاريع رياضية وبُنى تحتية كبرى مقابل تجاهل قطاعات الصحة والتعليم أثار تساؤلات حول توجهات الحكومة وأولوياتها.
تداعيات اقتصادية مباشرة: استمرار الاحتجاجات وتعثر الحلول قد يؤثر على الاستثمارات الخارجية والسياحة، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني.
أزمة ثقة وطنية
الحركة الاحتجاجية أبرزت أن الشباب المغربي لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن نتائج ملموسة. الشعور العام هو أن الحكومة تمارس سياسة “الهروب إلى الأمام” بدل مواجهة الواقع، وهو ما يهدد بتوسيع الهوة بين الشعب والسلطة، وربما فتح الباب أمام أشكال تنظيم سياسي واجتماعي بديلة.
إن الاحتجاجات الجارية ليست مجرد حركة غضب عابرة، بل مؤشر على فشل السياسات العمومية في مواكبة تطلعات الشباب المغربي ، مع تقاعس الحكومة وغياب إرادة الإصلاح كشفا عن أزمة عميقة لا يمكن تجاوزها إلا بإرادة سياسية حقيقية، وجرأة في إعادة ترتيب الأولويات لصالح الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.
فإما أن تستجيب الحكومة لمطالب الشارع قبل فوات الأوان، أو تواجه خطر تحول الاحتجاجات إلى مسار سياسي أوسع يضع مصداقية الدولة كلها على المحك.
بقلم : عباسية مدوني
