«إبادات»… حين يصبح المسرح الشعبي جهازًا نقديًا لإعادة تفكيك الذاكرة

0
653

ضمن المنافس الرسمية لفعاليات المهرجان الثقافي الوطني للمسرح المحترف ، الدورة ( 18) على شرف الفنان ” حملاوي عبد الله ” ، شهد ركح محيي الدين بشطارزي رفع الستار عن عرض ” إبادات ” لمسرح سيدي بلعباس ضمن ٱخر عروض المنافسة ، العرض من اخراج كل من ” لمير بن سعيد نصر الدين ” و ” جوزي أحسن ” ،حيث ان العرض لا يقدّم بوصفه عملًا مسرحيًا يستعيد مرجعيات كاتب ياسين على مستوى الإحالة أو الاستذكار، بل بوصفه مشروعًا فكريًا وجماليًا يشتغل على الذاكرة باعتبارها بنية صراعية، لا أرشيفًا مغلقًا.

فالعرض لا يستحضر كاتب ياسين كاسمٍ مؤسِّس، بل كـمنهج مسرحي قائم على تحويل الركح إلى فضاء مساءلة جماعية، حيث المسرح فعل مقاومة معرفية قبل أن يكون عرضًا بصريًا.

منذ لحظاته الأولى، يعلن «إبادات» انحيازه الواضح إلى المسرح الشعبي، لا بوصفه قالبًا فولكلوريًا، وإنما كخيار جمالي واعٍ، يراهن على القرب من المتفرّج وعلى تفكيك العلاقة التقليدية بين الركح والقاعة. هنا، لا يُطلب من الجمهور أن يستهلك الحكاية، بل أن ينخرط في توترها وأسئلتها.

فالمسرح الشعبي، كما يتبدّى في هذا العمل، ليس وسيلة تبسيط، بل أداة تعقيد نقدي تُخاطب الوجدان دون أن تتنازل عن العمق.

يحمل العنوان «إبادات» كثافة دلالية مضاعفة؛ فهو لا يحيل فقط إلى العنف المادي أو التاريخي، بل إلى إبادة المعنى، وإبادة الذاكرة، وإبادة الحسّ النقدي. غير أن العرض يقيم مفارقته الأساسية في كونه يجعل من المسرح ذاته فعلًا مضادًا للإبادة.

فكل مشهد، وكل جسد على الركح، وكل نبرة صوت، تعمل ضد منطق المحو، وضد تسطيح التاريخ وتحويله إلى سردية جامدة.

على مستوى البناء الدرامي، لا ينخرط العرض في خطّ حكائي تقليدي، بل يشتغل على تفتيت السرد وإعادة تركيبه عبر لوحات مشحونة بالرمز، حيث يتقاطع المحلي بالكوني، والتاريخي بالراهن.

من فلسطين الجريحة إلى الذاكرة الوطنية الجزائرية، لا تُستحضر القضايا بوصفها شعارات، بل كجروح مفتوحة، تُطرح داخل بنية مسرحية ترفض الاطمئنان وتبحث عن الصدع.

أحد أهم مكاسب «إبادات» يتمثّل في انصهار الأجيال المسرحية داخل رؤية واحدة. فالعرض لا يستعيد تجربة فرقة كاتب ياسين بوصفها نموذجًا منتهيًا، بل يعيد تفعيلها من خلال حوار حيّ بين ذاكرة الروّاد وحساسية الجيل الراهن.

هذا التلاقي يتجلّى في الأداء، وفي الاشتغال على الجسد بوصفه حاملًا للمعنى، وفي التعامل مع النص ككيان مفتوح على التأويل، لا كوثيقة مقدّسة.
الموسيقى الحيّة على الركح ليست عنصرًا مكمّلًا، بل فاعلًا دراميًا يشارك في إنتاج الدلالة، ويُعيد ربط العرض بإيقاع الشارع والطقس الجماعي، وهو ما يعزّز الطابع الشعبي بوصفه اختيارًا فكريًا لا مجرد هوية شكلية.

في «إبادات»، لا يحضر الوطن كجغرافيا مغلقة، بل كحالة سؤال دائم، ولا يُستدعى الشهداء كصور تمجيدية، بل كقوى فكرية تحرّض على التفكير في معنى التضحية والعدالة. العرض لا يراهن على الإبهار البصري، ولا يطلب التصفيق، بل يسعى إلى إرباك اليقينيات وخلخلة الأسئلة السهلة.

بهذا المعنى، يقدّم المسرح الجهوي لسيدي بلعباس عملًا يؤكّد أن المسرح الشعبي، حين يُستعاد بوعي نقدي، قادر على أن يكون معاصرًا، ومشاغبًا، ومؤثرًا.

«إبادات» ليس استعادة لذكرى كاتب ياسين، بل امتداد حيّ لمشروعه، حيث الركح وطن مؤقت، والذاكرة فعل مقاومة لا يقبل الإبادة.

بقلم: عباسية مدوني