في سياق الجهود الرامية إلى صون التراث الثقافي اللامادي وإحياء أشكال الفرجة الشعبية التي شكّلت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية للمجتمع الجزائري، أطلق المسرح الجهوي بسيدي بلعباس تظاهرة ثقافية متميّزة موسومة بـ “فن الحلقة… ذاكرة وطن”، في مبادرة فنية وثقافية تستحضر أحد أعرق الفنون الأدائية التي ازدهرت في الساحات والفضاءات المفتوحة، وظلّت لعقود طويلة فضاءً نابضاً بالحكاية والإبداع الشعبي.
وتمتد فعاليات هذه التظاهرة من 07 إلى 10 مارس 2026، في محاولة لإعادة إحياء روح الحلقة الشعبية بوصفها شكلاً فرجوياً أصيلاً كان يجمع الناس في دوائر من التفاعل والإنصات، حيث تتعانق الكلمة بالحركة، وتتقاطع الحكاية بالحكمة الشعبية، في مشهد فني يتجاوز حدود العرض ليغدو تجربة إنسانية وثقافية متكاملة.
وقد احتضن فضاء سينما تسالة / الفوكس بسيدي بلعباس مساء السبت 07 مارس 2026 فعاليات الافتتاح الرسمي للتظاهرة، في لحظة ثقافية استحضرت ملامح تلك الأزمنة التي كان فيها الفن يولد من قلب الساحات ومن نبض الناس، ليصنع فضاءً للتلاقي والجمال والتعبير الحر.
وشهد برنامج الافتتاح حضوراً فنياً مميزاً من خلال السهرة الروحية التي أحيتها فرقة الرياحين للإنشاد والمديح الديني من أدرار، حيث تماهت الأنغام العذبة مع عمق الكلمة في لوحات إنشادية استلهمت جماليات فن المديح وروحانيته. وفي هذا الفضاء الفني، تحوّل الصوت المنشد إلى جسرٍ رمزي يصل الماضي بالحاضر، ويعيد للكلمة الهادفة مكانتها في وجدان المتلقي.
كما كان للجمهور موعد مع عرض حلقوي قدّمه الفنان القدير عباس سجراري، الذي أعاد عبر أدائه استحضار أجواء التراث المحلي والوطني، مقدّماً لوحة فنية نابضة بالحيوية مزجت بين السرد الشعبي والإيقاع الموسيقي الحي، في تجربة فرجوية استحضرت روح الحلقة الأصيلة بكل ما تحمله من عفوية وعمق فني.
وتمنح هذه التظاهرة لجمهورها فرصة معايشة تجربة ثقافية متفرّدة، حيث تتقاطع الفنون الشعبية والإنشاد الروحي في فضاء واحد، لتشكّل لحظة جمالية تجمع بين المتعة الفنية والسمو الروحي.
وتؤكد أن الفنون الشعبية – على تنوع تجلياتها – تنبع من الذاكرة ذاتها وتتجه دائماً نحو الإنسان.
إنها دعوة مفتوحة للجمهور للانخراط في هذا الموعد الثقافي الذي يحتفي بالتراث ويعيد اكتشاف جمالياته، حيث تتحوّل الذاكرة إلى مشهد حيّ، ويعود الفن إلى جذوره الأولى. بقلم : عباسية مدوني
