لبنان يتحول من شرعنة السلاح إلى تجريمه للمرة الأولى منذ 1969

0
87
لبنان يتحول من شرعنة السلاح إلى تجريمه للمرة الأولى منذ 1969

يعكس قرار الحكومة اللبنانية تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لحصر السلاح قبل نهاية العام تحولات بالغة الدلالات في السياسة اللبنانية التي تتحول من تشريع قانوني وسياسي لـ«المقاومة» من خارج المؤسسات الرسمية إلى «تجريمها»، كما حوّل سلاح «حزب الله» إلى وضعية «خارجة عن القانون» بدءاً من مطلع العام المقبل، حسبما يقول خبراء.

ونزعت الحكومة في قرارها الصادر مساء الثلاثاء الشرعية من سلاح «حزب الله» الذي يقول الحزب إنه معد لقتال الكيان المحتل، وهو تحول يجري للمرة الأولى منذ أولى الحكومات بعد اتفاق الطائف في العام 1989، حيث واظبت الحكومات طوال تلك الفترة على إقرار مبدأ حق اللبنانيين في مقاومة الكيان المحتل بمختلف الوسائل المتاحة، وبلغ بعضها في العقد الماضي التأكيد على ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة».

منصات صواريخ لـ«حزب الله» خلال عرض أقامه في جنوب لبنان في ماي 2023 (أرشيفية – أ.ب)

وتقول مصادر قانونية لـ«الشرق الأوسط» إن القرار «يعني نزع الشرعية من السلاح بعدما كان محمياً بالشرعية المحلية»، مشيرة إلى أن الأمر «لا يقتصر على حيازة السلاح فقط، بل يشمل أي عمل عسكري ضد الكيان المحتل، بالنظر إلى أن المقاومة ضد الكيان المحتل كان الفعل المسلح الوحيد الحائز على شرعية رسمية، بينما كان القانون يجرم أي قتال آخر، وحيازة سلاح غير مرخص، وأي إطلاق نار». وتقول المصادر إن هذا القرار «ملزم، حتى يصدر نقيضه عن مجلس الوزراء».

جريمة يعاقب عليها القانون

ويشرح المؤرخ السياسي والوزير الأسبق كريم بقرادوني أن هذا القرار الحكومي «يعني حظراً لأي قتال ضد الكيان المحتل أو غيرها، ينفذه أي طرف أو شخص من خارج المؤسسات الأمنية والجيش اللبناني»، علماً أن قتال تلك المؤسسات يحتاج إلى قرار من الحكومة اللبنانية، وهو متصل بحصرية قرار السلم والحرب بالحكومة اللبنانية.

ويضيف بقرادوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «كل شيء أو فعل، من خارج المتفق عليه في مجلس الوزراء، ومن بينه إطلاق النار في الجنوب، سيكون بمثابة جرم يعاقب عليه القانون بدءاً من العام المقبل بالنظر إلى أن المهلة المعطاة للجيش لسحب السلاح تنتهي في نهاية العام الحالي».

ولم يكن القتال ضد الكيان المحتل أو حيازة الأسلحة لقتالها، سواء أكان عبر «حزب الله» أو أي جهات لبنانية مصنفة «مقاومة»، محظوراً في السابق.

المؤرخ والوزير الأسبق كريم بقرادوني (الشرق الأوسط)

وعن المهلة، يقول بقرادوني إنها بمثابة «مرحلة انتقالية ضرورية للانتقال إلى مرحلة حصرية السلاح، إذ تقتضي عملية التنظيم والتنسيق فرزاً للأسلحة وإحصاءها»، موضحاً أن هذه العملية التقنية تتناول «ما الأسلحة؟ وما عددها؟ وأين تُخزن؟ وكيف ستتم عملية التسلم والتسليم؟ ومن يسلم؟ ولمن تُسلم؟ وماذا سيُصنع بهذا السلاح؟ هل سيُتلف؟ أو يأخذه الجيش؟ أو يُرحل إلى الخارج؟»، معتبراً أن فرصة الأشهر الخمسة «جيدة لترتيب هذه الأمور التقنية»، مشدداً على وجوب «أن يكون الاتفاق مفصلاً»، ويعتقد أنه «سيحتاج إلى اتصالات دولية وإقليمية وعربية للتوصل إلى الاتفاق بعدما أعلن (حزب الله) أنه غير معنيّ بالقرار الحكومي».

وفي هذه النقطة، يرى أن «حزب الله» لا يستطيع أن يواجه القرار إلى ما لا نهاية، «كي لا يحمل وزر الوضع الإقليمي والدولي»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية في هذا الوقت «تمتلك دعماً دولياً وإقليمياً وعربياً كبيراً جداً، وهو الأكبر الذي يحوز عليه رئيس لبناني منذ العام 1958، في وقت يتفق الحكم (رئاسة الجمهورية) والحكومة على ضرورة سحب السلاح، لافتاً إلى «دور أساسي لرئيس البرلمان نبيه بري في التفاوض، بالنظر إلى أن المجتمع الدولي لا يفاوض (حزب الله) مباشرة».

شرعية البيانات الوزارية

ولطالما حاز سلاح «حزب الله» وفصائل المقاومة الأخرى على شرعيتها من البيانات الوزارية المتعاقبة، التي تعهدت بحق لبنان في مقاومة الكيان المحتل وتحرير الأرض «بكل الوسائل المشروعة»، ولم تحصر فعل التحرير بالقوى المسلحة الرسمية.

شعار «لن نترك السلاح» كتبه مناصرون لـ«حزب الله» على ركام مسجد مدمر بغارات الكيان المحتلية في بلدة رامية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وللمرة الأولى، حصرت الحكومة اللبنانية منذ تشكيلها فعل تحرير الأرض بها فقط، إذ نص البيان الوزاري على أنه: «تلتزم الحكومة، وفقاً لوثيقة الوفاق الوطني المُقرّة في الطائف، باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير جميع الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الالكيان المحتلي، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، بقواها الذاتيّة حصراً، ونشر الجيش في مناطق الحدود اللبنانيّة المُعترف بها دوليّاً». لكن القرار الحكومي، الذي اتخذته الثلاثاء، يعد نسخة تفصيلية وتطبيقية للبيان الوزاري، لجهة تجريمه القتال ضد الكيان المحتل، إذا لم يكن عبر القوى المسلحة الرسمية، كما لم يعد يعترف بأي سلاح خارج سلاح الدولة، ولا يشرعنه.

سحب السلاح بعد شرعنته

ويشير بقرادوني إلى أنه «للمرة الأولى منذ العام 1969، يتم سحب السلاح من خارج الدولة، لا شرعنته»، في إشارة إلى اتفاق القاهرة الذي وقعه لبنان في العام 1969، وأتاح للمقاومة الفلسطينية التسلح وشن العمليات ضد الكيان المحتل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، واستخدام سلاحها من خارج الدولة الشرعية بضمانة جامعة الدول العربية، وتم توقيعه بضغط من الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر.

ويقول بقرادوني إن هذا التفويض «انتهى في العام 1982 في العملية العسكرية التي شنتها الكيان المحتل واحتلت على أثرها بيروت، وبعدها كان لبنان في مرحلة فوضى وانقسام، إلى أن انتهت الحرب في اتفاق الطائف، وواظبت حكومات ما بعد الطائف على تشريع المقاومة وسلاحها من خارج المؤسسات الرسمية بهدف قتال الكيان المحتل، وفق مبدأ مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض».