في زمنٍ يوشك أن ينسى، يعود المسرح الجهوي سيدي بلعباس ليذكّر بأنّ الفن يمكن أن يكون وعدًا للوطن، وأنّ الخشبة ليست مجرد فضاء للتمثيل، بل جزء من معركة الذاكرة، وصرخة جمالية في وجه النسيان.
على ركح وهران، وفي تزامنٍ رمزي مع الذكرى الـ71 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، قدّم المسرح الجهوي سيدي بلعباس عرضه «إبادات»، عملاً مسرحيًا كثيف الدلالة ومشحونًا بالأسئلة الوجودية والإنسانية ، العرض لم يكن مجرّد استعادة لجرح تاريخي، بل كان محاكمة فنية للذاكرة، تُنصت فيها الأرواح التي لم تُهزم، وتتكلم عبر أجساد الممثلين الذين نسجوا من الألم جمالاً ومن الفقدان أملاً.
جاءت الرؤية الإخراجية لتجعل من الركح مساحة اشتباك بين التاريخ والراهن؛ حيث التناوب بين الضوء والعتمة، بين الصمت والصراخ، وبين حضور الشهداء وغيابهم، مشكّلين لغة بصرية مكثفة تعبّر عن إبادة المعنى قبل إبادة الجسد ، النص، من جهته، استثمر البنية الشعرية للغة ليحوّل الحكاية إلى مرثية للوطن الجميل وإلى نداءٍ لاستعادة القيم التي فجّرت الثورة وأوقدت جذوتها.
الفرجة كانت تجربة حسية وفكرية متكاملة، تمزج بين الأداء الجسدي المنضبط والموسيقى المرافقة التي تحوّلت إلى خيوط تربط الذاكرة بالوجدان، وتجعل المتلقي شريكًا في استعادة الأسئلة الكبرى عن الوطن، الحرية، والهوية.
“إبادات” ليس عرضًا عن الماضي فحسب، بل عرض في مواجهة النسيان، يذكّر بأنّ المسرح، حين يكون صادقًا، يصبح محرابًا للذاكرة الجماعية، وسلاحًا ناعمًا يدافع عن كرامة الإنسان وتاريخ الوطن.
هكذا يثبت مسرح سيدي بلعباس مرة أخرى أنّه لا يقدّم أعمالًا فنية فحسب، بل يبني ذاكرة ويصنع وعدًا، وعدًا بأن يظل المسرح الجزائري حيًا ما دام هناك من يكتب، ويُبدع، ويؤمن بأن الفن هو الوجه الآخر للوطن.
بقلم : عباسية مدوني





