” الإرث”… عرض مسرحي بابعاد وطنية وانسانية

0
1332

في حفل الافتتاح الرسمي لفعاليات المهرجان الثقافي الوطني للمسرح المحترف بالجزائر العاصمة ،دورة الفنان القدير ” عبد الله حملاوي” ، تم رفع الستار عن عرض مسرحي عصارة ورشة تكوينية امتدت لسنة ( ماستر كلاس ) تحت إشراف الفنانة القديرة ” تونس ٱيت علي ” ، العرض ضمن عديد اللوحات والمشاهد شهد تجاوبا إيحابيا بحضور السيدة وزيرة الثقافة والفنون ، الأسرة الفنية والإعلامية وجمهور المسرح.

حيث أن العمل المسرحي الذي جمع مجموعة من الشباب والأطفال، وبمشاركة ثلة من الفنانين المحترفين دعما لهم وتشجيعا ضمن خطابات تتخلل المشاهد واللوحات في سياق رمزي ،دلالي كوني ووجودي و جميع تلكم الخطابات أثث كما لوحات العرض لبعد إنساني ،اجتماعي وسياسي قدمها الفنان ” حسين مختار” و ” جلال دراوي” ، وكل من الفنانة القديرة ” ليندة سلام” ، ” ٱمال مينيراد ” ، “فايزة أمل” ، ” نسرين بلحاج” و” عباسية مدوني “.

كما جاء العرض محملا بخطابات مسرحية رمزية وذات ايحاءات ركحية نابضة بالذاكرة ،الهوية والإنتماء وقوفا عند عديد التيمات المحورية ،مع تسجيل حضور فني ، كوريغرافي مع لمسة ” يوسف مفتاح ” ، بعد سينوغرافي ، موسيقي وتقني مدروس بدقة وحتى بصري متناغم والعرض بلمسة ” زين الدين خطاب” ، في قالب تجربة مسرحية فكرية وجمالية تتجاوز حدود الفرجة التقليدية، لتتحوّل إلى فعل مساءلة عميق للإنسان والوطن والتاريخ.

العمل من تصميم ” تونس ٱيت علي” عرض لا يطمئن المتلقي بإجابات جاهزة، بل يضعه في قلب الأسئلة الكبرى، ويستفزه لمواجهة ما نحمله، كأفراد وكجماعات، من إرث ثقيل تشكّل عبر عقود من الألم، الصراع، والانكسارات، دون أن يخلو من بذور الأمل وإمكانيات الانبعاث.

المسرح كفضاء للمساءلة وكسر الصمت

ينطلق ” الإرث” من وعي حاد بوظيفة المسرح بوصفه ممارسة نقدية وموقفًا أخلاقيًا، لا مجرد حكاية تُروى أو مشهد يُستهلك، حيث يعمل العرض على تفكيك الجدار الرابع ليس فقط كحدٍّ بصري بين الخشبة والجمهور، بل كرمز للصمت الجمعي، وللمسافة التي اعتاد الإنسان أن يضعها بينه وبين مسؤوليته التاريخية، الاجتماعية والوجودية والكونية ، هنا، يُدفع المتلقي إلى التخلي عن حياده، ليصبح شريكًا في السؤال، وشاهدًا على ذاته، في مواجهة قضايا الوطن، الحرية، والذاكرة…

العشرية السوداء والهجرة غير الشرعية

عالجت المسرحية العديد من الاحداث التي مر بها الوطن اذ حضر الإرث الدموي للعشرية السوداء في العرض بوصفه ذاكرة غير مكتملة الشفاء، لا كحدث تاريخي مغلق ، إنها عشرية لا تُستعاد من باب التوثيق، بل من باب أثرها العميق في الوعي الجماعي :الخوف، الفقدان، الصمت القسري، وتمزّق الثقة بين الإنسان والمكان ، حيث ينجح العرض في تحويل هذه المرحلة إلى لغة رمزية مكثفة.

فيما حملت قوارب الموت والهجرة غير الشرعية جانبا من العرض لما لامست مأساة الاحلام المهاجرة الى عالم مجهول وهروب الى الامام بحثا عن اجابات  داخل ” الإرث “.

حقوق المراة : الجسد، الصوت، ومعركة الاعتراف

يفتح للعرض مساحة دلالية مهمّة لقضايا المراة والنضال الحقوقي، بوصفها جزءً لا يتجزأ من الصراع المجتمعي المستمر من أجل الكرامة والعدالة، أين تحضر المرأة في العرض لا كضحية صامتة، بل كجسد مقاوم، وصوت مؤجل يسعى إلى استعادة حقه في الوجود والتعبير.

الوطن: الجذور، الذاكرة، ومعنى الانتماء

لا يُقدَّم الوطن في ” الإرث” بوصفه شعارًا أو خطابًا جاهزًا، بل ككائن رمزي حيّ، متجذّر في عمق التاريخ والهوية، ومشدود إلى طبقات متراكمة من الذاكرة الجماعية ، الوطن هنا طِرازٌ رمزي تتقاطع فيه الأزمنة: من إرث الأجداد، إلى  الحاضر، إلى أحلام الأجيال القادمة ، إنه فضاء للانتماء، لكنه أيضًا مجال للصراع حول المعنى، وحول من يملك حق تعريفه وتمثيله.

يشتغل العرض على استحضار الوطن كقيمة ثقافية وأخلاقية، تُبنى بالوعي ، وبالانتماء النقدي  ، أين الانتماء في «الإرث» ليس انغلاقًا، بل وعيًا بالمسؤولية، واستعدادًا لحماية الذاكرة من التشويه، والهوية من التآكل، عبر مساءلة التاريخ لا الهروب منه.

الوطن الإفريقي والهم الإنساني المشترك

يعالج العرض قضايا وطنية وإفريقية في بعدها الإنساني الكوني، دون الوقوع في الخطاب المباشر أو الشعاراتي. فالوطن في «الإرث» ليس جغرافيا ثابتة، بل فكرة متحوّلة، وذاكرة مثقلة بالصراعات، تمتد من الاستعمار إلى العنف الداخلي، ومن التهميش إلى البحث الدائم عن العدالة والكرامة ، حيث تتقاطع الأسئلة الإفريقية مع قضايا الإنسان أينما كان: الحرية، الحق في الاختلاف، شرعية الرأي الآخر، وإمكانية العيش المشترك.

جماليات التعبير والبعد الفلسفي

على المستوى الجمالي، يتعامل العرض مع الأداء الجسدي، الحركة، الفضاء المسرحي، والإيقاع بوصفها منظومة واحدة تخدم الرؤية الفكرية لا زخرفة شكلية ولا فائض تقني، بل اشتغال واعٍ على الغموض الإيجابي الذي يفتح أفق التأويل، ويمنح المتفرج حرية القراءة، في انسجام تام مع مضمون العمل الداعي إلى حرية التعبير، ورفض الإقصاء، وقبول التعدد.

يشكّل عرض ” الإرث ” تجربة مسرحية ناضجة، تُكرّس المسرح كمساحة للحرية، للمساءلة، للتعبير ولمقاومة النسيان ، إنه عمل يراهن على وعي المتلقي، ويؤكد أن المسرح، حين يكون صادقًا مع قضاياه، يتحوّل إلى فعل ثقافي مقاوم، وإلى ذاكرة حيّة ترفض الصمت، وتصرّ على تحويل الألم إلى وعي، والإرث الثقيل إلى أفق إنساني جديد.

. بقلم : عباسية مدوني