البلوزة الجزائرية نحو العالمية… خيط الهوية الذي ينسج ذاكرة أمة

0
467

في مشهد ثقافي يفيض رمزية واعتزازاً بالذات الوطنية، خطت الجزائر خطوة جديدة نحو تثبيت حضورها الحضاري على الساحة الدولية، بإيداع ملف “فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير: معارف، ومهارات ومراسم” ضمن قائمة الترشيحات لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إلى جانب عناصر أخرى من التراث الثقافي غير المادي.

وقد جرت هذه المراسم الرسمية بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا والتاريخ، تحت إشراف وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، في أجواء احتفالية عكست عمق الرؤية الجزائرية في صون الذاكرة الجماعية.

لم يكن اختيار “البلوزة” اعتباطياً، بل هو اعتراف بقيمة هذا الزي التقليدي كأحد أبرز رموز الهوية في الغرب الجزائري، حيث تتجاوز وظيفته كلباس إلى كونه حاملاً لذاكرة اجتماعية وثقافية متجذرة. فالبلوزة ليست مجرد قماش مطرز، بل هي تعبير حي عن ذوق نسوي راقٍ، وعن تراكم مهارات حرفية توارثتها الأجيال، صنعت منها أيقونة للأناقة المحلية وعلامة فارقة في المشهد الثقافي الجزائري.

تحمل البلوزة في تفاصيلها الدقيقة سردية مجتمع بكامله؛ من اختيار الأقمشة الفاخرة، إلى دقة التطريز اليدوي، وصولاً إلى الطقوس المرتبطة بارتدائها في المناسبات، خاصة الأعراس، حيث تتحول إلى عنصر أساسي في طقوس الفرح والاحتفاء. إنها لغة صامتة تنطق بالانتماء، وتختزل في خيوطها توازناً فريداً بين الأصالة والتجدد.

كما يعكس هذا الترشيح وعياً مؤسساتياً متنامياً بأهمية التراث اللامادي كأداة قوة ناعمة، قادرة على مد جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء العالمي. فالبلوزة، وهي تشق طريقها نحو العالمية، لا تمثل فقط خصوصية جغرافية، بل تحمل قيماً إنسانية مشتركة، تجعل منها إرثاً قابلاً للتقاسم والتقدير عبر الثقافات.

وفي السياق ذاته، أودعت الجزائر ملفات أخرى تبرز تنوع وغنى موروثها، من بينها الأغاني الروحية للمداحات، والألعاب الذهنية التقليدية، إلى جانب مساهمتها في ملفات عربية مشتركة تعنى بالفخار وأنظمة الري التقليدية، في تجسيد لرؤية شاملة تجعل من التراث جسراً للتكامل الثقافي الإقليمي والدولي.

إن ترشيح البلوزة اليوم ليس مجرد إجراء إداري، بل هو فعل رمزي يعيد الاعتبار لذاكرة النساء الجزائريات، ويمنح هذا الزي مكانته المستحقة كتراث إنساني حي، نابض بالأصالة، ومفتوح على آفاق العالمية. بقلم : عباسية مدوني