في تجربة مسرحية مكثّفة بصريًا وإنسانيًا، يقدّم عرض “مسيرة الكرامة” خطابًا فنّيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليؤسس لرؤية مسرحية تستمد روحها من الذاكرة الصحراوية، وتحولها إلى فعل مقاومة حيّ.
ويأتي هذا العمل بتقديم وزارة الثقافة الصحراوية، وبالتعاون مع المركز الوطني للسينما والمسرح، ووزارة الثقافة والفنون الجزائرية، والمسرح الوطني الجزائري، في إطار ديناميكية ثقافية تعيد الاعتبار للمسرح كفضاء للتعبير عن قضايا الهوية والانتماء، مع دعم تقني من الديوان الوطني للثقافة والإعلام، وتحت الإشراف العام للفنانة المبدعة تونس آيت غلي.
منذ ملصقة العرض، تتبدّى الرؤية الجمالية عبر صورة شجرة وحيدة تنحني أمام رياح عاتية وسط صحراء مترامية، في استعارة بصرية مكثفة تختزل ثنائية الصمود والاقتلاع.
هذه الصورة لا تقف عند حدود التشكيل، بل تتحول إلى مفتاح تأويلي يوازي المسار الدرامي للعمل، حيث تغدو الذاكرة جذرًا عميقًا يحمي الإنسان من التلاشي، كما تحمي الأرض شجرتها من السقوط.
دراميًا، تنبني الحكاية حول شخصية “ليلى”، الشابة التي وُلدت في مخيمات اللجوء، لتعيد اكتشاف ذاتها عبر ذاكرة الجدة، بما تحمله من غنى التراث الصحراوي من أهازيج وشعر شفهي وعادات بدوية.
غير أن هذا التراث لا يُستحضر بوصفه ماضيًا ساكنًا، بل كفعل مقاومة يومي في مواجهة النسيان ومحاولات الطمس.
فنيًا، يتكامل العمل ضمن منظومة جمالية متماسكة؛ النص للفنان علال الدق، والموسيقى للمحجوب عثمان، والصوت لسلمه عبد الله، فيما جاءت السينوغرافيا بتوقيع محمود بومراج بمساهمة فوزي بن حمي، لتمنح الركح بعدًا بصريًا يحاكي امتداد الصحراء ورمزيتها.
أما الكوريغرافيا، التي حملت بصمة مفناح يوسف، فقدّمت لغة جسدية معبّرة عن الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات.
ويبرز حضور الفنان فتحي كافي ككاتب وممثل، في أداء يجمع بين الكلمة والجسد، بينما تولى بوجمعة محرز مهمة ريجيسور المسرح الوطني الجزائري، في تنسيق تقني يضمن انسجام مختلف عناصر العرض. كما يضم العمل طاقمًا تمثيليًا متنوعًا، يعكس البعد الجماعي للحكاية ويثري أفقها الإنساني.
في ذروته، يتصاعد البناء الدرامي نحو لحظة جماعية تتوحد فيها الأصوات، لتتحول “ليلى” إلى رمز لاستمرارية الذاكرة، وحاملة لأمل شعبها. وهنا يرسّخ العرض فكرته المركزية: أن الهوية ليست إرثًا جامدًا، بل كيان حي يُعاد تشكيله عبر الأجيال.
“مسيرة الكرامة” ليس مجرد عرض مسرحي، بل بيان جمالي يؤكد أن الثقافة قادرة على الصمود، تمامًا كشجرةٍ تضرب جذورها عميقًا في الأرض، وتواصل الامتداد رغم كل الرياح.بقلم : عباسية مدوني





