محاربات الصحراء… برونزية بطعم الذهب ومسيرة تكتب تاريخاً جديداً للكرة الجزائرية

0
183

لم تكن برونزية كأس أمم إفريقيا للسيدات 2026 مجرد ميدالية تُضاف إلى سجل المنتخب الوطني الجزائري، بل كانت تتويجاً لمسار استثنائي أثبتت خلاله محاربات الصحراء أن كرة القدم النسوية الجزائرية تمتلك ما يكفي من الموهبة والشخصية والطموح لفرض حضورها بين كبار القارة.

وفي ليلة مغاربية بامتياز، على أرض الملعب الأولمبي بالرباط، انتزعت سيدات الجزائر المركز الثالث على حساب المنتخب المغربي، بعد مباراة عصيبة انتهى وقتها الأصلي بالتعادل 1-1، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح للجزائريات بنتيجة 3-2.

لكن قيمة هذا الإنجاز لا تختصرها نتيجة المباراة الأخيرة. فالبرونزية هي ثمرة مشوار طويل، بدأ من دور المجموعات، ومرّ بمحطات صعبة، وانتهى ببلوغ المربع الذهبي لأول مرة في تاريخ المشاركة الجزائرية في كأس أمم إفريقيا للسيدات، فضلاً عن ضمان التأهل إلى كأس العالم 2027 في البرازيل.

من الحلم إلى الإنجاز
دخلت محاربات الصحراء هذه المنافسة بطموح كبير، وتمكنّ من تجاوز دور المجموعات والمضي قدماً في البطولة، قبل أن يكتبن واحدة من أبرز صفحات كرة القدم النسوية الجزائرية في الدور ربع النهائي، حين تجاوزن منتخب كوت ديفوار بنتيجة 2-1، ليحجزن مكانهن بين الأربعة الكبار ويضمنّ التأهل التاريخي إلى المونديال.

وكان الوصول إلى نصف النهائي في حد ذاته مؤشراً على أن المنتخب الجزائري لم يعد مجرد مشارك في المنافسة، وإنما أصبح رقماً صعباً قادراً على مقارعة المنتخبات الإفريقية الكبيرة.

ثم جاءت مواجهة مالاوي في نصف النهائي. مباراة لم تكن سهلة على الإطلاق، خصوصاً بعد اضطرار الجزائر إلى إكمال جزء كبير منها بعشر لاعبات إثر الطرد، لتنتهي المواجهة بفوز مالاوي 3-1.

ومع ذلك، فإن تلك الخسارة لا تنتقص من قيمة المسيرة، بل ربما تكشف حجم ما كان يمكن أن تحققه هذه المجموعة لو سارت بعض التفاصيل الصغيرة في الاتجاه الآخر.
النهائي لم يكن بعيداً
قد يبدو الحديث عن إمكانية بلوغ النهائي نوعاً من التحسر، لكن الأداء العام لمحاربات الصحراء يمنح هذا الطرح مشروعيته.
فالمنتخب الجزائري وصل إلى نصف النهائي، وضمن المونديال، ونافس حتى الأمتار الأخيرة في بطولة شهدت خروج أسماء إفريقية كبيرة. كما أن المنتخب المغربي نفسه، الذي واجه الجزائر في دور المجموعات وفاز بهدف نظيف، بلغ بدوره نصف النهائي قبل أن يخسر أمام الكاميرون بركلات الترجيح.

وهنا تتجلى قيمة المشوار الجزائري: الفارق بين البرونزية والنهائي لم يكن فارقاً في الإمكانات بقدر ما كان فارقاً في تفاصيل مباريات الأدوار الإقصائية، وفي لحظات صغيرة قادرة على تغيير مصير بطولة بأكملها.

كان بإمكان محاربات الصحراء أن يكنّ طرفاً في النهائي، لولا أن كرة القدم، في لحظاتها الحاسمة، لا تعترف دائماً بما يستحقه الفريق على امتداد مشواره، بل بما يحدث في تسعين دقيقة واحدة.

البرونزية… انتصار على الإحباط
بعد ضياع حلم النهائي، كان يمكن أن تتراجع المعنويات، لكن المنتخب الجزائري أظهر شخصية قوية أمام المغرب.

لم تكن مباراة المركز الثالث مجرد مواجهة لترتيب المنتخبات، وإنما كانت اختباراً جديداً للشخصية والقدرة على النهوض. تأخر المنتخب الجزائري في النتيجة، لكنه عاد إلى المباراة وأدرك التعادل، ثم حافظ على توازنه حتى ركلات الترجيح.

وهناك، حيث يتحول الملعب إلى مساحة للأعصاب والشجاعة، قالت المحاربات كلمتهن الأخيرة: 3-2 للجزائر، وبرونزية تاريخية هي الأولى في سجل مشاركات المنتخب في كأس أمم إفريقيا للسيدات.

إنها برونزية لا تحمل لون المعدن فقط، بل تحمل لون الكفاح، والصبر، والإصرار على العودة بعد الخيبة.

جيل يستحق البناء عليه
الأهم من الميدالية هو أن هذه المشاركة كشفت عن جيل قادر على صناعة مستقبل مختلف لكرة القدم النسوية الجزائرية.

التأهل إلى كأس العالم لأول مرة، بلوغ نصف نهائي كأس إفريقيا، ثم افتكاك المركز الثالث أمام منتخب البلد المضيف، كلها مؤشرات تؤكد أن المنتخب الجزائري قطع خطوة كبيرة إلى الأمام.

والتحدي الآن ألا يُنظر إلى البرونزية باعتبارها نهاية الرحلة، وإنما باعتبارها بداية مرحلة جديدة.

فالكرة الجزائرية النسوية تحتاج إلى استثمار هذا الإنجاز في التكوين، وفي تطوير البطولة المحلية، وفي منح اللاعبات مزيداً من فرص الاحتكاك والمنافسة، حتى تتحول هذه التجربة من إنجاز استثنائي إلى حضور دائم في القمة الإفريقية.

لقد عادت محاربات الصحراء من المغرب بميدالية، لكنهن حملن معهن شيئاً أكبر بكثير: ثقة جديدة بأن الجزائر تستطيع أن تنافس على اللقب، وأن النهائي لم يعد حلماً بعيداً، بل هدفاً مشروعاً للسنوات القادمة.

قد تكون البرونزية اليوم هي المحطة الأخيرة في هذه النسخة، لكن ما قدمته محاربات الصحراء يقول بوضوح إن الطريق إلى الذهب قد بدأ من هنا.

بقلم : عباسية مدوني