الجزائر لا تنحني… حين تتكلم المحن بلغة الوطن

0
190

ليست الحرائق التي مست عددًا من مناطق الجزائر مجرد نارٍ تلتهم الغابات والأشجار، ولا مجرد أرقام تُحصى في نشرات الأخبار. إنها وجعٌ يلامس قلب وطنٍ اعتاد، عبر قرون طويلة، أن يواجه المحن بصلابة، وأن يخرج من الرماد أكثر إصرارًا على الحياة.

اليوم، تنحني القلوب حزنًا أمام أرواحٍ فقدناها، وتُرفع الدعوات للجرحى والمصابين، وتلتف الجزائر حول عائلاتها المكلومة في لحظة إنسانية لا مكان فيها إلا للتضامن والرحمة والوقوف إلى جانب بعضنا البعض.

لكن الجزائر لا تنحني.

هذه الأرض التي مرّت عليها عواصف التاريخ، وعرفت الاحتلال والاستعمار، وذاقت مرارة الحروب، وواجهت الإرهاب والفتن والسنوات العصيبة، تعرف جيدًا أن المحن مهما اشتدت لا تستطيع أن تهزم شعبًا اختزن في ذاكرته معنى الصمود، وفي وجدانه معنى الوطن.

منذ قرون، والجزائري يواجه الصعب بالصعب، ويحمل جراحه دون أن يفقد إيمانه بالغد. وحين تشتد العاصفة، لا يبحث عن مخرج فردي، بل يبحث عن أخيه، عن جاره، عن قريته، عن مدينته، عن وطنه.

وهنا تكمن قوة الجزائر الحقيقية.

ليست القوة في الجغرافيا وحدها، ولا في الموارد، ولا في التاريخ المكتوب على صفحات الكتب؛ القوة في الإنسان الجزائري، في تلك الروح التي تظهر في الأزمات كما تظهر المعادن النفيسة تحت النار.

في كل محنة، يعود الجزائري إلى فطرته الأولى: التآزر، التضامن، النجدة، تقاسم الخبز والماء، وفتح الأبواب أمام من أنهكته الظروف.

ذلك التضامن ليس طارئًا ولا موسمياً؛ إنه قيمة متجذرة في المجتمع، تنتقل من جيل إلى جيل، وتظهر في القرى والمدن والأحياء، وفي صفوف المواطنين والحماية المدنية والجيش وكل من يقف في الصفوف الأولى عندما يشتد الخطر.

وقد تكون النار قادرة على إحراق شجرة، لكنها لا تستطيع أن تحرق ذاكرة شعب.

قد تسقط غابة، لكن لا تسقط إرادة وطن.

قد يخسر الإنسان بيتًا أو أرضًا أو ممتلكات، لكن ما دام في قلبه وطن، وفي محيطه أخٌ يسنده، وفي مجتمعه تضامن يحميه، فإن الأمل يظل حيًا.

الجزائر تعرف معنى أن تبدأ من جديد.

عرفته بعد سنوات الاستعمار الطويلة، وعرفته وهي تستعيد حريتها وتبني دولتها، وعرفته في مواجهة الإرهاب، وعرفته كلما حاولت الأزمات أن تمزق نسيجها الاجتماعي. وفي كل مرة، كان هذا الشعب يجد طريقه إلى النجاة، لا لأنه لم يتألم، بل لأنه لم يسمح للألم أن يحوّل انتماءه إلى وطنه إلى انكسار.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا نحتاج إلى كلمات كثيرة بقدر حاجتنا إلى أن نتذكر من نحن.

نحن أبناء أرضٍ علّمتنا أن الوطن ليس مجرد حدود على خريطة، بل مسؤولية وذاكرة وكرامة ووفاء.

نحن أبناء شعبٍ يعرف أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن المحنة لا ينبغي أن تتحول إلى فرقة، وأن المصاب حين يحلّ بأحدنا يصبح مصابًا للجميع.

لذلك، فإن الجزائر اليوم تحتاج من أبنائها أن يكونوا على قدر تاريخها؛ أن نساند، أن نواسي، أن نحمي، أن نعيد بناء ما تهدّم، وأن نزرع حيث احترقت الأشجار، وأن نعيد للحياة مكانها حيث مرّت النار.

فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بعدد المرات التي انتصرت فيها، بل بعدد المرات التي سقطت فيها ثم نهضت.

والجزائر نهضت كثيرًا.

نهضت من تحت ركام الاستعمار، ومن جراح الإرهاب، ومن سنوات الفتن، ومن قسوة الأزمات، وستنهض من كل محنة جديدة مهما كان ثقلها.

ستظل هذه الأرض تعرف طريقها إلى الشمس.

وسيظل الدم الجزائري، بما يحمله من حرارة الانتماء والوفاء، شاهدًا على أن الوطن حين يسكن القلب يصبح أقوى من الخوف، وأكبر من المحنة، وأبقى من النار.

فلنحزن على من فقدناهم، ولنحمل أسماءهم في الذاكرة، ولنقف إلى جانب عائلاتهم، ولنجعل من هذه الفاجعة درسًا جديدًا في التضامن والمسؤولية وحماية الأرض والإنسان.

ثم نمضي.

فالجزائر لا تنحني.

قد تتعب… لكنها لا تستسلم.

قد تتألم… لكنها لا تنكسر.

قد تمرّ عليها النار… لكنها تعرف كيف تُنبت الحياة من جديد.

هذه الجزائر… وطنٌ عصيٌّ على الانحناء، صامدٌ في وجه العواصف، وشعبٌ كلما اشتدت عليه المحن، ازداد تمسكًا بأرضه ووطنه.

سلامٌ على أرواح من رحلوا،

وسلامٌ على كل يدٍ امتدت لإنقاذ،

وسلامٌ على كل قلبٍ تضامن،

وسلامٌ على الجزائر… وهي تعبر محنتها شامخة، كما كانت دائمًا.

بقلم : عباسية مدوني