المجاهدة نعماوي ترحل وفي سجلها بطولات كسرت غطرسة”بيجار”

0
61

بين طيات الذاكرة الوطنية للثورة التحريرية الكبرى، تتقاطع المسارات بين نقيضين لا يلتقيان؛ جندي يحمل عقيدة الدم والبطش الاستعماري، وامرأة تحرس بدمها وروحها شرف الأمة.

وحين يُذكر اسم مارسيل بيجار – ذلك الضابط الفرنسي الذي أحاط نفسه بهالة زائفة من الأسطورة العسكرية وسياستها القائمة على حرق الغابات وترويع القرى في الغرب الجزائري – يبرز في المقابل اسم المجاهدة الراحلة فاطمة نعماوي، ليقدّم درساً بليغاً في كيفية تحطيم الغطرسة الاستعمارية على صخرة الإرادة الصلبة.

سعيدَة.. مخاض النضال وبوتقة الفدائيين

لم تكن المواجهة وليدة الصدفة، بل صاغها واقع ملتهب في منطقة سعيدة وما جاورها، حيث كانت الثورة تحتاج إلى سواعد لا تهاب الموت. انخرست أصوات الخوف حين التحقت فاطمة نعماوي بركب النضال، منخرطةً في شبكات الفدائيين الذين استهدفوا بحرأتهم تحركات الاحتلال ومفاصل تواجده. في تلك المرحلة، كان بيجار يدير عملياته الإجرامية بقسوة بالغة محاولاً إخماد جذوة التحرر، غير أن تحركات الفدائيين في شوارع سعيدة جعلت من وجوده وكتائب قمع و”كوماندو جورج” هدفاً مكشوفاً لعزيمة لا تلين.

وجهاً لوجه.. سقوط أسطورة “السفاح”

في الميدان، تحولت المواجهة المباشرة بين المجاهدة فاطمة نعماوي والجنرال بيجار إلى اختبار حقيقي لمعنى القوة.

لم ترهبها نياشينه العسكرية ولا صجبه المسلح، بل وقفت بندية تامة تفضح هشاشة المحتل أمام إنسان يدافع عن أرضه.

لقد أدرك بيجار، من خلال تلك الصدامات، أن آلة الحرب الفرنسية تعجز عن كسر روح مقاومة تتغذى من إيمان عميق بعدالة القضية.

أقبية العذاب.. صمود أسطوري في سجون سعيدة ووهران

أفرغت أجهزة القمع الفرنسية كامل حقدها الانتقامي إثر اعتقال المجاهدة؛ فنُقلت بين زنازين سعيدة ووهران لتواجه أساليب وحشية في التعذيب والتنكيل بغية انتزاع كلمة واحدة تفكك خيوط الشبكة الفدائية.

لكن التاريخ سجل هنا أروع ملحمة صمود نسائي؛ فرغم قسوة السياط وبرودة الأقبية، تحولت فاطمة نعماوي إلى جدار منيع تصطدم به كل محاولات الاستنطاق.

ظلت صامتة عن أسرار الثورة، حاملةً أمانة رفاقها في الكفاح، لتخرج من محنة الاعتقال منتصرة على سجانيها، ومثبتة أن إرادة الجزائرية الحرة أقوى من كل وسائل الإبادة والتعذيب.

خاتمة المجد والخلود 

رحلت المجاهدة فاطمة نعماوي عن عالمنا، تاركةً خلفها إرثاً نضالياً ناصعاً، لتلتحق بالشهداء في جنات الخلد.

لقد سقطت أساطير بيجار العسكرية في مزابل التاريخ، وبقيت سيرة فاطمة شعلةً مضيئة تروي للأجيال كيف تقف امرأة واحدة في وجه “سفاح” مدجج بالسلاح، لتنتصر للحياة والحرية والجزائر المستقلة، فالمجد والخلود لشهداءنا الابرار و مجاهدينا الاخيار من قضى منهم ومن مازال على قيد الحياة.