ألعاب البحر المتوسط 2026 ..من ذاكرة وهران إلى رهان تارانتو الإيطالية

0
299

إيطاليا _ تارانتو 2026 ليست مجرد دورة جديدة من ألعاب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة إلى الجزائر؛ إنها محطة مفصلية في مسار رياضي يبحث عن تثبيت مكتسبات وهران، وتوسيع دائرة التألق، وبناء جسر حقيقي نحو المستقبل الأولمبي.

منذ أن أغلقت وهران أبوابها في صيف 2022 على مشهد جزائري استثنائي، تغيّر سقف التطلعات. فقد صنعت النخبة الوطنية واحدة من أكثر الصفحات إشراقاً في تاريخ مشاركاتها المتوسطية، بعدما حصدت 53 ميدالية، بينها 20 ذهبية و17 فضية و16 برونزية، واحتلت المركز الرابع في الترتيب العام، في أفضل حصيلة جزائرية على الإطلاق في تاريخ الألعاب.

لكن أربع سنوات رياضية تفصل بين وهران وتارانتو، وهي فترة كافية لتتغير موازين القوى، وتتجدد الأجيال، وتتسع المنافسة. ولهذا فإن السؤال في إيطاليا لا ينبغي أن يكون فقط: كم ميدالية ستحصد الجزائر؟ بل: هل تستطيع الرياضة الجزائرية تحويل نجاح وهران من إنجاز استثنائي إلى مشروع مستدام؟

تارانتو… اختبار مختلف

تشارك الجزائر في الطبعة العشرين لألعاب البحر الأبيض المتوسط، التي تحتضنها مدينة تارانتو الإيطالية من 21 أوت إلى 3 سبتمبر 2026، بوفد رياضي يضم 248 رياضياً ورياضية، منهم 151 رجلاً و97 امرأة، موزعين على 27 اختصاصاً رياضياً.

وتشمل المشاركة الجزائرية اختصاصات متنوعة، من ألعاب القوى والملاكمة والجودو والمصارعة ورفع الأثقال والجمباز إلى السباحة والمبارزة والتايكواندو والدراجات، فضلاً عن الرياضات الجماعية، وهو ما يعكس رغبة في الحفاظ على حضور واسع داخل خارطة الألعاب.

غير أن طبيعة المنافسة ستكون مختلفة عن وهران. ففي الجزائر استفادت النخبة الوطنية من عاملي الأرض والجمهور، ومن أجواء وطنية استثنائية، بينما ستجد في تارانتو نفسها أمام منافسين أقوياء على أرضهم، إضافة إلى منتخبات أوروبية وأفريقية وآسيوية تمتلك تقاليد عريقة في الرياضة الأولمبية.

ولهذا فإن تكرار رقم 53 ميدالية لا ينبغي أن يتحول إلى شرط نفسي على الرياضيين، بل إلى مرجع تاريخي يثبت أن الجزائر قادرة على المنافسة في أعلى المستويات المتوسطية.

أين تكمن الحظوظ الجزائرية؟

تبدو المؤشرات الأكثر تفاؤلاً مرتبطة بالدرجة الأولى بالاختصاصات الفردية، التي أثبتت عبر السنوات قدرتها على منح الجزائر مكاناً متقدماً في جدول الميداليات.

وتبرز ألعاب القوى والملاكمة والجمباز ضمن الاختصاصات التي تراهن عليها اللجنة الأولمبية والرياضية الجزائرية لتحقيق نتائج جيدة، في وقت تمثل فيه الجيدو والمصارعة ورفع الأثقال والسباحة والمبارزة وغيرها مجالات أخرى يمكن أن تصنع المفاجأة وتضيف إلى الرصيد الوطني.

واللافت أن الجزائر لا تدخل المنافسة بمجموعة من الأسماء المخضرمة فقط، بل بجيل يحمل طموحاً مختلفاً؛ فمتوسط عمر الوفد الرياضي يناهز 24.7 سنة، وهو مؤشر مهم إذا ما قُرئ من زاوية مستقبلية، لأن ألعاب تارانتو تأتي في بداية دورة أولمبية جديدة، ما يجعلها فرصة لاكتشاف المواهب ومنحها احتكاكاً دولياً عالي المستوى.

ومن هذه الزاوية، قد تكون بعض الميداليات التي ستولد في تارانتو أهم من لونها؛ لأن قيمتها الحقيقية قد تظهر بعد عامين في لوس أنجلوس.

الرياضات الجماعية… رهان صعب لكنه ممكن

إذا كانت الاختصاصات الفردية تمثل الخزان التقليدي للميداليات الجزائرية، فإن الرياضات الجماعية تملك قيمة أخرى: قيمة الحضور، والاستمرارية، والقدرة على صناعة صورة جماعية للرياضة الوطنية.

في كرة القدم مثلاً، يخوض المنتخب الجزائري منافسة قوية في المجموعة التي تضم إيطاليا وكوسوفو وألبانيا، فيما تواجه سيدات الجزائر مجموعة أكثر صعوبة تضم إسبانيا والبرتغال والمغرب.

وهنا لا تكمن أهمية المشاركة في كرة القدم في التتويج فقط، وإنما في منح جيل شاب فرصة الاحتكاك بمدارس كروية مختلفة، خصوصاً أن المنتخب الجزائري يشارك بتشكيلة شبانية، ما يجعل التجربة استثماراً في المستقبل أكثر منها بحثاً عن نتيجة آنية فقط.

من وهران إلى تارانتو… ماذا تغيّر؟

وهران 2022 صنعت حالة رياضية وطنية استثنائية. كانت الجزائر صاحبة الأرض، وكانت الملاعب والقاعات ممتلئة بالجمهور، وكانت الميداليات تتوالى وسط موجة جماهيرية جعلت المنافسة أشبه بحدث وطني شامل.

أما تارانتو، فتضع الرياضي الجزائري أمام اختبار أكثر تجرداً: أن ينتصر بعيداً عن ضغط الأرض والجمهور، وأن يثبت أن الإنجاز لم يكن مرتبطاً بظروف دورة واحدة.

وهنا تحديداً يمكن قياس تطور الرياضة الجزائرية.

فإذا استطاعت الجزائر الاقتراب من حصيلة وهران رغم اختلاف الظروف، فذلك يعني أن البناء الرياضي بدأ يأخذ طابعاً أكثر استقراراً. وإذا تجاوزت الحصيلة السابقة، فسيكون ذلك مؤشراً قوياً على أن الرياضة الوطنية انتقلت من مرحلة الإنجاز الظرفي إلى مرحلة التنافس المستدام.

أما إذا جاءت الحصيلة أقل، فلا ينبغي قراءتها تلقائياً باعتبارها تراجعاً؛ لأن قوة المشاركة لا تقاس بالعدد فقط، وإنما أيضاً بنوعية النتائج، وعدد النهائيات، والأرقام الشخصية المحققة، وظهور أسماء جديدة قادرة على مواصلة الطريق.

الرهان الحقيقي: لوس أنجلوس 2028

ربما تكون أهم زاوية في تارانتو 2026 هي أنها تأتي في بداية دورة أولمبية جديدة.

وقد أكد المسؤولون الرياضيون الجزائريون أن ألعاب تارانتو تمثل فرصة لإطلاق مواهب شابة في أفق أولمبياد لوس أنجلوس 2028، مع الاعتراف بأن مهمة تكرار إنجاز وهران ستكون أكثر صعوبة.

وهذا يعني أن الميدالية المتوسطية يمكن أن تكون بداية قصة وليست نهايتها.

فالرياضي الذي يبلغ منصة التتويج في تارانتو لا ينبغي أن ينتهي مشروعه بانتهاء الألعاب؛ بل يجب أن يبدأ من هناك برنامج جديد: متابعة علمية، إعداد بدني، تأطير نفسي، منافسات دولية منتظمة، معسكرات نوعية، واحتكاك بأفضل الرياضيين في العالم.

الميدالية ليست الهدف الأخير؛ إنها مؤشر على أن المنظومة تسير في الاتجاه الصحيح.

المرأة الجزائرية… حضور يتقدم

وتحمل المشاركة النسوية في تارانتو دلالة مهمة أيضاً، مع حضور 97 رياضية ضمن الوفد الجزائري.

هذا الحضور لا ينبغي التعامل معه باعتباره رقماً إحصائياً فقط، بل كجزء من التحول التدريجي في صورة الرياضة الجزائرية.

فالرياضة النسوية الجزائرية أثبتت في السنوات الأخيرة قدرتها على المنافسة وصناعة الأبطال، وتارانتو يمكن أن تكون مساحة جديدة لتوسيع هذا الحضور، ليس فقط من خلال الميداليات، وإنما عبر منح مزيد من الرياضيات فرصة الظهور الدولي، وبناء مسارات احترافية طويلة المدى.

العلم الجزائري في الواجهة

ولعل اختيار محمد وليد عبياد من الكرة الطائرة وزهرة كحلي من المبارزة لحمل العلم الجزائري خلال حفل افتتاح الألعاب، يختزل معنى المشاركة نفسها: رياضيون من اختصاصات مختلفة، يجتمعون تحت راية واحدة، ويمثلون صورة الجزائر في فضاء رياضي متوسطي يقوم في جوهره على التنافس والتقارب والصداقة بين الشعوب.

لقد وصلت أول دفعة من الوفد الجزائري إلى تارانتو يوم 19 أوت، وضمت 73 رياضياً يمثلون عدداً من الاختصاصات الفردية، إلى جانب منتخبي كرة اليد والكرة الطائرة.

وبذلك دخلت المشاركة الجزائرية فعلياً مرحلة المنافسة، بعد أشهر من التحضير والتنسيق بين وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية والاتحاديات الرياضية.

ماذا بعد تارانتو؟

المطلوب من الجزائر ألا تنتظر نهاية الألعاب حتى تبدأ في تقييم التجربة.

ينبغي أن يبدأ التفكير منذ الآن في سؤال أكبر:

كيف نحول الموهبة الجزائرية إلى قوة أولمبية مستدامة؟

الإجابة تمر عبر خمسة رهانات أساسية:

أولاً: الاستثمار في التكوين.

فالنجوم لا يصنعون في سنة واحدة، وإنما عبر منظومة تبدأ من الفئات الشابة وتمنحها التدريب والمنافسة والمتابعة.

ثانياً: بناء منظومة علمية للرياضة.

الرياضة الحديثة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، وإنما على الطب الرياضي، التغذية، التحليل الرقمي، علم النفس الرياضي، الاسترجاع البدني وتحليل الأداء.

ثالثاً: حماية الأبطال من الانقطاع.

أكبر خسارة يمكن أن تتعرض لها الرياضة الوطنية ليست خسارة نهائي، وإنما فقدان رياضي موهوب في منتصف الطريق.

رابعاً: توسيع قاعدة الممارسة النسوية.

لأن مستقبل الرياضة الجزائرية لا يمكن أن يُبنى بنصف المجتمع الرياضي فقط.

خامساً: تحويل كل دورة متوسطية إلى محطة في مشروع أولمبي.

تارانتو يجب أن تقود إلى لوس أنجلوس، ولوس أنجلوس إلى بريزبن، لا أن تكون كل دورة جزيرة منفصلة عن الأخرى.

الجزائر أمام امتحان جديد

في النهاية، لا ينبغي أن تكون المقارنة بين تارانتو ووهران مقارنة رقمية بحتة.

وهران كانت لحظة تاريخية صنعت فيها الجزائر 53 ميدالية ومركزاً رابعاً غير مسبوق. أما تارانتو فهي مطالبة بصناعة شيء أكثر عمقاً: الاستمرارية.

قد لا يتكرر سيناريو وهران بكل تفاصيله، وقد تتغير ألوان الميداليات، وقد تصنع اختصاصات جديدة المفاجأة، وقد يبرز اسم شاب لم يكن في دائرة الضوء قبل الألعاب.

لكن النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة الجزائر على العودة من إيطاليا وهي تحمل معها ليس فقط ميداليات، وإنما أبطالاً جدد، وأرقاماً جديدة، وتجربة جديدة، ومشروعاً أوضح نحو أولمبياد 2028.

إن ألعاب البحر المتوسط ليست مجرد سباق بين دول على منصة التتويج؛ إنها مرآة لمنظومات رياضية كاملة.

ومن وهران إلى تارانتو، تبدو الرسالة الجزائرية واضحة:

نحن لا نبحث فقط عن تكرار الأمجاد… بل عن تحويلها إلى مستقبل.

فالذهب الذي يُنتظر في تارانتو قد يكون ذهب الميدالية، لكن الذهب الأهم هو ذلك الذي يُصنع في صمت: جيل جديد يؤمن بأن العلم الجزائري يمكن أن يرتفع في كل منصة، وفي كل مدينة، وفي كل موعد رياضي كبير. بقلم : عباسية مدوني