- لا يندرج عرض المونودراما «بيك لاند» إنتاجات 2026 للمسرح الجهوي سيدي بلعباس ضمن دائرة الاشتغال الاستلهامي المباشر لنصوص صاموئيل بيكيت، بقدر ما ينهض بوصفه مشروعًا مسرحيًا واعيًا يعيد مساءلة العبث ويعيد توجيهه نحو أفق سياسي وإنساني معاصر. فالعرض من تصميم ” دين الهناني محمد جهيد” ، وفكرة وتشخيص ” جوزي ياسين” ، توزيع موسيقي ” محمودي عبد الغني” وتصميم إضاءة ” سيد أحمد سيد المرابط ” ، لا يستعير عبث بيكيت كقالب جمالي جاهز، بل كمنظور نقدي يسمح بتفكيك بنى السلطة الحديثة، وكشف آليات اشتغالها الرمزية والخطابية.
ينقل «بيك لاند» العبث من أفقه الوجودي الكلاسيكي، حيث الإنسان محكوم بلا جدوى الوجود، إلى عبث أكثر قسوة يتمثّل في عبث الأنظمة، حيث تتحوّل العدالة إلى خطاب مُلغَّم، والسلام إلى ذريعة لإدامة الصراع، والقانون إلى أداة ضبط لا إلى قيمة أخلاقية. الشخصية في العرض المسرحي لا تنتظر الخلاص كما في «في انتظار غودو»، بل تعيش داخل زمن دائري معطوب، يُعاد فيه إنتاج الانتظار كفعل إخضاع، ويغدو الصمت اتهامًا صريحًا لعالم يفرغ الكلمات من معناها.
يقدّم جوزي ياسين أداءً يتجاوز التمثيل إلى حضور جسدي كثيف، يصبح فيه الجسد ذاكرة حيّة للقهر والتآكل الداخلي. الجسد هنا ليس وسيطًا تعبيريًا فحسب، بل حقلًا دلاليًا تتراكم فيه آثار الخوف والانكسار والمقاومة الصامتة ، كل حركة محسوبة، وكل ارتجاف أو انحناءة، يحمل أثر صراع غير مرئي بين الرغبة في البقاء واستحالة النجاة الكاملة، ما يمنح الأداء صدقه وعمقه الإنساني.
على المستوى الركحي، يشتغل تصميم العرض على الفضاء بوصفه بنية دلالية مستقلة. «بيك لاند» ليست مكانًا جغرافيًا محددًا، بل أرضًا رمزية، جغرافيا ذهنية تتكثّف فيها معاني العزلة والاختناق واللايقين. الفراغ هنا خيار جمالي واعٍ يعكس خواء العالم من القيم، ويضع الشخصية في مواجهة مباشرة مع ذاتها ومع المتفرّج. أما الإضاءة ، فتتجاوز بعدها التقني لتغدو سلطة بصرية موازية: تفضح، تُحاصر، وتُخضع، بدل أن تمنح الأمان أو التوازن.
لغويًا، يفكّك العرض الخطاب المسرحي عبر توتر دائم بين القول واللاقول. الكلام متقطّع، متردّد، أحيانًا ساخر وأحيانًا منهار، بينما يتحوّل الصمت إلى لحظة كثافة قصوى تُجبر المتلقّي على الإصغاء لما لا يُقال. بهذا المعنى، لا يقدّم «بيك لاند» حلولًا جاهزة، بل يطرح سؤالًا أخلاقيًا وفلسفيًا ملحًّا حول إمكانية الوعي داخل عالم يُعاد فيه إنتاج القمع بأقنعة جديدة.
إنه عرض يشتغل على القلق لا الطمأنينة، وعلى المساءلة لا الإجابة، ويؤكّد أن رؤية مسرح سيدي بلعباس ضمن دائرة وعي جماليً وفكريً ما يتيح ملامسة القضايا الكبرى بلغة فنية عالية، تجعل من «بيك لاند» عملًا يراكم المعنى ويترك أثره العميق في ذاكرة المسرح الجزائري المعاصر.
بقلم : عباسية مدوني





