حين تصبح التضحية نصًّا… «جائزة النصوص الإنسانية» تكتب الوفاء باسم الراحلة خالتي مليكة

0
204

في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتزدحم فيه التفاصيل، تبقى بعض الحكايات عصيّة على النسيان؛ حكايات لا تُقاس بحجم أصحابها ولا بما تركوه من ممتلكات، بل بما تركوه في وجدان الناس من أثر. وحين ترتقي التضحية إلى مرتبة الدهشة، يصبح الوفاء لها مسؤولية، وتصبح الكتابة إحدى أجمل طرق تخليدها.

من هذه الرؤية، ومن إيمان بأن الأدب قادر على حفظ القيم الإنسانية من النسيان، تطلق شبكة كفاءة الثقافية الدورة الثانية من «جائزة النصوص الإنسانية»، دورة تحمل اسم فقيدة استثنائية: خالتي مليكة؛ المرأة التي اختارت أن تجعل من حياتها موقفًا إنسانيًا ممتدًا على طريق الوحدة الإفريقية.

عام 1994، غادرت خالتي مليكة قسنطينة نحو الصحراء الجزائرية، حيث فتحت استراحة بسيطة، ظلت تستقبل فيها مستعملي الطريق، وتمنح العابرين شيئًا يتجاوز الطعام والراحة؛ تمنحهم دفء الإنسان للإنسان. وظلت على هذا العطاء حتى رحلت إلى رحمة الله في أوت 2026، تاركة وراءها سيرة تختصر معنى الإيثار، وتؤكد أن الأعمال العظيمة قد تبدأ من مكان بسيط، لكن صداها يمكن أن يبلغ أبعد مما نتخيل.

ومن هنا، تأتي الجائزة لا بوصفها مسابقة أدبية فحسب، وإنما دعوة إلى الكتابة عن الإنسان حين ينتصر فيه الإنسان؛ عن التضحية والإيثار، وعن أولئك الذين يمنحون دون انتظار مقابل، ويتركون في الطريق أثرًا لا تمحوه السنوات.

وتفتح الجائزة باب المشاركة أمام الكتّاب الجزائريين، دون اعتبار للعمر أو مكان الإقامة، من خلال نصوص قصصية أو شعرية ذات بُعد إنساني، تحتفي بقيم التضحية والإيثار. كما لا تشترط أن يكون النص غير منشور أو غير حاصل على جائزة سابقة.

وتقتصر المشاركة على نص قصصي واحد لا يقل عن 500 كلمة، أو نص شعري لا يقل عن عشرين بيتًا أو مقطعًا، تُرسل المشاركات إلى البريد الإلكتروني:

chabakat.kafaa34@gmail.com

وذلك مرفقة بإحدى بطاقات الهوية، وسيرة ذاتية، وصورة شخصية عالية الجودة، في أجل أقصاه 31 ديسمبر 2026.

وسيُعلن عن الفائز بالجائزة الكبرى يوم 18 فيفري 2027، اليوم الوطني للشهيد؛ ذلك اليوم الذي يختزل في الذاكرة الوطنية الجزائرية أسمى معاني التضحية والإيثار.

أما التتويج، فلا يتوقف عند جائزة مالية قدرها خمسة ملايين سنتيم ودرع «شبكة كفاءة» في الإبداع الأدبي، بل يمتد إلى ما هو أبقى: تكفّل دار نشر بنشر مخطوط الفائز في القصة أو الشعر، أو إعادة نشر مجموعة أدبية له متى كان يملك حقوقها، وفق عقد مباشر مع الدار، إلى جانب تزويد مكتبته بخمسين كتابًا أدبيًا وفكريًا.

وتبقى الجائزة مفتوحة أمام كل دعم مؤسساتي أو خاص من داخل الجزائر، بما يسمح بتوسيع دائرة التكريم وتعزيز قيمة المبادرة وامتيازاتها.

إنها، في جوهرها، دعوة للكتّاب إلى أن يكتبوا لا عن البطولة وحدها، بل عن الإنسان الذي يصنع البطولة بصمته، وعن اليد التي تمنح دون أن تُصفّق لها الأضواء.

ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الكتابة تجاه خالتي مليكة هو ألا تجعل رحيلها خاتمة الحكاية، بل بداية لحكايات أخرى؛ حكايات تقول إن الخير، مهما بدا بسيطًا، قادر على أن يعبر المسافات، وأن بعض الناس لا يرحلون تمامًا… فقد تتحول سيرتهم إلى نص، ويتحول النص إلى ذاكرة، وتتحول الذاكرة إلى قيمة تعيش بين الأجيال.

جائزة النصوص الإنسانية…

دورة خالتي مليكة.

لأن بعض الأرواح تستحق أن تُخلَّد بالكلمة. بقلم : عباسية مدوني