مسرح سيدي بلعباس في ضيافة مغنية: الفن بوابة الذاكرة وأفق المقاومة

0
3027

في قلب مدينة مغنية، حيث تتقاطع الحكاية مع التاريخ وتنبض الذاكرة بروح الحرية، يحلّ مسرح سيدي بلعباس الجهوي ضيفًا على المدينة ليضيء، على مدى يومين 16 و 17 أكتوبر 2025 فضاءات الثقافة والفن في تظاهرة نوعية تُقام احتفاءً بالذكرى الوطنية المجيدة لأحداث 17 أكتوبر 1961، التي تظلّ شاهدًا خالدًا على نبل النضال الجزائري وسموّ التضحيات من أجل الكرامة والسيادة.

ينظم هذا الحدث بالتنسيق مع مديرية الثقافة والفنون لولاية تلمسان، وبدعم من دائرة وبلدية مغنية، وباحتضان من المركز الثقافي الذي سيغدو منصة لتلاقح الإبداع والذاكرة، حيث تتعانق الفنون لتروي سيرة وطنٍ سامق .

المسرح… ذاكرة تنبض ووعي يتجدّد

ليست هذه التظاهرة مجرّد احتفال بالذكرى، بل هي دعوة للتفكّر في معنى الذاكرة الجماعية ودور المسرح في صونها من التآكل والنسيان.
فمن خلال عروضٍ فنية وورشات تكوينية، يعيد مسرح سيدي بلعباس تأكيد رؤيته للمسرح كفضاء للوعي ومحراب للجمال والمقاومة، حيث يتحوّل الخشبة إلى منبرٍ للإنسان والتاريخ معًا.

العروض المسرحية… حكايات تُضيء الوجدان

سيعيش جمهور مغنية تجربة فنية متكاملة تتنوّع بين الدرامي، التراثي، والرمزي، عبر عروض تمزج بين جمال الصورة وعمق الفكرة، من أبرزها:

“إبادات”: عمل درامي ينسج ذاكرة الوطن بخيوط الأجيال، حيث تتقاطع الأرواح والحكايات لتشكّل فسيفساء الوجدان الجزائري، في تأملٍ عميق لقضايا الانتماء والهوية والوجود.

“سما.. شتات من ألم”: ثمرة تجربة تكوينية جمعت شبابًا من سيدي بلعباس ووهران ومستغانم، يوحّدهم شغف الفن وحلم التغيير. العرض يرسم رحلةً من الألم نحو الأمل، ويقدّم لغة جسدية وشعرية تحتفي بالإنسان الباحث عن معنى وحرية.

“آخر حلقة”: عرض تراثي وحلقوي يُعيد إلى الواجهة روح الحكاية الشعبية الجزائرية، من خلال الغناء، والإيقاع، والسرد الشفهي، في توليفة فنية تنبض بعبق القصائد المغناة والذاكرة الشفوية للأجداد.

الطفل… رهان المستقبل وإشراقة الأمل

إيمانًا بأن بناء الوعي يبدأ من الطفولة، خصّص البرنامج فضاءً ثريًا للأطفال يجمع بين المتعة والتعلّم عبر عروض مسرح الدمى والموسيقى والرسم والحكاية.
إنها مبادرة تزرع في نفوس الصغار بذور الجمال والانتماء، ليكونوا ورثة الذاكرة وحملة رسالة المقاومة الثقافية.

الذاكرة كحكاية والهوية كعرضٍ حيّ

في عمق هذه التظاهرة، تتجلّى الحكاية بوصفها مسرحًا للذاكرة والهوية، لا كاستحضار للماضي فحسب، بل كفعلٍ إبداعيّ يستنهض القيم ويجدّد روح الانتماء.
فالمسرح هنا ليس عرضًا زمنيًا عابرًا، بل جسرًا بين الأمس واليوم، يعيد للذاكرة الجزائرية نبضها، ويصوغ من المشهد والجسد واللغة ميثاقًا للجمال والوعي.

رمزين من مغنية معقل الثوار …

وفي بادرة رمزية تستلهم روح المكان، يستحضر مسرح سيدي بلعباس شخصيتين وطنيتين من أبناء مغنية معقل الثوار وهما :
أحمد بن بلة، أول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة، ومحمد خميستي، أول وزير خارجية للجزائر المستقلة، اعترافًا بعطائهما النضالي والإنساني، وتخليدًا لإرثٍ صنع ملامح الدولة الجزائرية الفتية.

فنّ يكتب الذاكرة ويُجدّد المقاومة

اختيار مدينة مغنية لاحتضان هذه الفعالية ليس صدفة، بل وفاءٌ لتاريخٍ مقاومٍ موشومٍ في ذاكرة الوطن.
ومن خلال هذه المبادرة، يؤكد مسرح سيدي بلعباس أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا ناعمًا، يواجه النسيان بالتذكّر، والجمود بالإبداع، وأن المسرح الجزائري كان وسيبقى صوتًا للحرية وذاكرةً للأمة.

مغنية… على موعد مع الفن والتاريخ والإنسان

بهذا الحدث الثقافي، يُعيد مسرح سيدي بلعباس التأكيد على أن الفن فعل وطني وإنساني بامتياز، وأن الاحتفاء بالذاكرة عبر المسرح هو أسمى أشكال الوفاء لتاريخٍ كتبه الأحرار بدمهم، ويواصل الفنانون كتابته بنور الإبداع.
إنه لقاء بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الذاكرة والإبداع، بين الإنسان والوطن…
حيث تُصبح مغنية مسرحًا للروح الجزائرية في أبهى تجلياتها.
بقلم: عباسية مدوني