«ميموري فن».. فعل ثقافي حيّ يحمل ذاكرة المسرح الجزائري

0
320

ليست «ميموري فن» مجرد سهرة فنية عابرة، ولا تظاهرة تُقاس قيمتها بعدد العروض أو الأسماء التي تعتلي الخشبة؛ إنها، في جوهرها، فعلٌ ثقافي وإنساني يحتفي بالذاكرة، ويصون أثر الذين عبروا من هنا وتركوا للفن ما يكفي كي يستمر حضورهم بعد الغياب.

في دورتها الخامسة، تعود «Memory فن» التي تنظمها مدرسة التكوين المسرحي «الموجة» بمقر المدرسة الجديدة، حاملةً معها فلسفة تقوم على الوفاء قبل الفرجة، وعلى استعادة الذاكرة الفنية بوصفها مسؤولية جماعية لا مجرد حنين إلى الماضي.

ففي مساء 19 أوت، تفتح «الموجة» أبوابها لأحبائها ورفاقها وكل من آمن بالمسرح والفن، في موعد يختلط فيه العرض بالذكرى، والضحكة بالدمعة، واستحضار الراحلين بفعل ثقافي يثبت أن الفنان قد يغيب جسدًا، لكنه لا يغادر الوجدان ما دامت أعماله وذكرياته وأثره تجد من يحملها إلى الأجيال.

حين يصبح الغياب حضورًا

تحمل دورة هذا العام من «ميموري فن» معنى أكثر عمقًا؛ فهي تأتي لتستعيد حكايات من رحلوا، أولئك الذين تركوا وراءهم الاشتياق، والأعمال، والضحكات، واللحظات التي لم تستطع السنوات محوها.

ومن بين الأسماء التي يستعيدها الموعد بكل فخر واعتزاز، يبرز الراحل أحمد سهلة، باعتباره قامة من قامات الجزائر، واسمًا من الأسماء التي ارتبطت بالمشهد الثقافي والفني، لتصبح استعادته في «ميموري فن» فعل وفاء لذاكرة وطنية وفنية تستحق أن تُروى من جديد.

ولا تكتفي التظاهرة باستحضار الأسماء، بل تحاول أن تجعل من الذاكرة ممارسة جماعية؛ فحين يجتمع الحاضرون لتذكر الراحلين، وتُستعاد أعمالهم وضحكاتهم وحكاياتهم، ثم يُتقاسم الطعام صدقةً على أرواحهم، يتحول التكريم من خطاب إلى موقف إنساني صادق، ومن ذكرى فردية إلى ذاكرة جماعية.

«إلا طاحت راحت».. أربعون عامًا ولم تسقط الحكاية

ومن أبرز محطات هذه الدورة استعادة مسرحية «إلا طاحت راحت»، وهي تجربة مسرحية تفصلنا عن عرضها الأول أربعة عقود، بعد أن قُدمت للمرة الأولى سنة 1986/1987، من كتابة وإخراج الراحل أحمد هارون.

إن إعادة استحضار هذا العمل اليوم ليست مجرد عودة إلى نص قديم، بل هي محاولة لفتح نافذة على تاريخ المسرح، وعلى تجارب فنانين صنعوا بأدوات بسيطة ذاكرة ما زالت قادرة على مخاطبة الحاضر.

رحل أحمد هارون، لكن العمل لم يرحل، كما لم ترحل الذكريات التي صنعها. وهنا تحديدًا تكمن إحدى رسائل «ميموري فن»: الفن الحقيقي لا ينتهي بانتهاء صاحبه؛ بل يبدأ أحيانًا فصل جديد من حياته حين تتكفل الأجيال اللاحقة بإعادة اكتشافه.

من الذاكرة إلى المستقبل

وإذا كانت «ميموري فن» تنظر إلى الوراء بعين الوفاء، فإنها في الوقت ذاته تنظر إلى الأمام بثقة.

فالحدث يتزامن مع محطة مهمة في مسار مدرسة التكوين المسرحي «الموجة»، عقب المصادقة، خلال دورة غير عادية للمجلس الشعبي الولائي، على تحويل مقر مدرسة «ولد صالح ميلود» سابقًا، الكائن بحي صلامندر، لفائدة مدرسة التكوين المسرحي «الموجة».

ويمثل هذا القرار مكسبًا ثقافيًا مهمًا لولاية مستغانم، وخطوة من شأنها أن تمنح التكوين المسرحي فضاءً أكثر رسوخًا، وتتيح للمدرسة مواصلة احتضان المواهب الشابة وتطوير قدراتها، بما يعزز مكانة المسرح والفعل الثقافي في المنطقة.

وفي هذا السياق، تتوجه مدرسة «الموجة» بخالص الشكر والتقدير إلى والي ولاية مستغانم السيد أحمد بودوح، ورئيس المجلس الشعبي الولائي السيد إدريس عباسة، ورئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية مستغانم السيد ولد عابد مشري، وإلى نواب وأعضاء المجلس الشعبي البلدي، تقديرًا لما وصفته المدرسة بالدعم الذي يفتح أمامها أفقًا جديدًا للعمل والتكوين.

وهنا تلتقي فكرتان تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين: ذاكرة الراحلين من جهة، ومستقبل الأحياء من جهة أخرى. غير أن «ميموري فن» تثبت أن العلاقة بينهما عضوية؛ فلا مستقبل للفن من دون ذاكرة، ولا معنى للذاكرة إذا لم تتحول إلى طاقة لبناء المستقبل.

«ميموري فن».. عام من العمر وذاكرة تتسع

وبعد عام ٱخر طبعة رابعة من انطلاق التجربة، تستعد «ميموري فن» لطبعتها الخامسة وهي تحمل معها حصيلة من الذكريات والتجارب والشغف.

عامٌ مرّ، لكن الفكرة لم تكبر زمنيًا فقط، بل نضجت في معناها: من موعد فني إلى مشروع للذاكرة، ومن سهرة إلى مساحة للوفاء، ومن الاحتفاء بالماضي إلى صناعة صلة جديدة بين الأجيال.

وفي كل دورة، يبدو الرهان واضحًا: أن تكون النسخة الجديدة أفضل من سابقتها، وأن تُترك في وجدان الجمهور ذكرى أجمل وأثر أعمق.

لذلك لا تبدو «ميموري فن» معنية بالاحتفال من أجل الاحتفال، بقدر ما تبحث عن معنى أعمق للقاء؛ معنى يجعل الفن وسيلة لحفظ الذاكرة، والمسرح جسرًا بين من رحلوا ومن يواصلون الطريق، والوفاء فعلًا ثقافيًا قابلًا للاستمرار.

حين تحفظ الخشبة أسماء أصحابها

في زمن تتسارع فيه الصور والأحداث، وتصبح الذاكرة معرضة للنسيان، تأتي «ميموري فن» لتقول إن الثقافة ليست فقط ما ننتجه اليوم، وإنما أيضًا ما نرفض أن نتركه يسقط من الذاكرة.

هي موعد لتذكر الذين أعطوا للمسرح من أعمارهم وأحلامهم، ولإعادة قراءة أعمالهم، ولتقاسم قصصهم مع جيل جديد، وللتأكيد أن أسماء الفنانين لا ينبغي أن تعيش في أرشيف مغلق، بل في وجدان الناس وعلى الخشبة وفي فضاءات التكوين.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه التظاهرة لا تكمن في كونها «سهرة فن»، وإنما في قدرتها على الجمع بين الفن والذاكرة والوفاء والتكوين والعمل الثقافي والبعد الإنساني في فضاء واحد.

إنها، ببساطة، محاولة لأن نقول للراحلين:

لم ننساكم.

وللفنانين الذين ما زالوا يواصلون الطريق:

نحن نعرف قيمة ما تفعلون.

وللأجيال القادمة:

هذه ذاكرتكم أيضًا، فاحملوها إلى المستقبل.

هكذا تصبح «ميموري فن» أكثر من تظاهرة، وأكثر من موعد سنوي؛ تصبح ذاكرة حية للمسرح، وطقسًا للوفاء، ومساحةً لاستعادة الأرواح من خلال الفن، ومشروعًا ثقافيًا يراهن على أن ما يُزرع اليوم في وجدان الفنان والمتلقي سيظل قادرًا على الإزهار غدًا.

وفي مستغانم، حيث للمسرح ذاكرة عريقة وحضور متجذر، تبدو «الموجة» وهي تحتفي بمن رحلوا وتفتح أبوابها للمواهب الجديدة، وكأنها تكتب فصلًا جديدًا من الحكاية. بقلم : عباسية مدوني