في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتبدّل فيه أنماط التلقي، تبرز الحاجة الملحّة إلى مبادرات تعيد وصل الحاضر بجذوره، وتمنح الذاكرة الفنية لا سيما المسرحية مكانها الطبيعي بوصفها ركيزة للهوية ومصدرًا لإعادة التأسيس.، ومن هذا الأفق تنبع سلسلة “المسرح… ذاكرة تتجدّد” التي أطلقها المسرح الجهوي سيدي بلعباس، لا كبرنامج احتفائي عابر، بل كرؤية ثقافية واعية تسعى إلى استنطاق التاريخ المسرحي الجزائري وإعادة قراءته بوصفه طاقةً حية قادرة على الإلهام والتجديد.
حيث ليست الذاكرة، في هذا التصور، أرشيفًا ساكنًا بل مادة فكرية وجمالية تتطلب التأمل والنقد وإعادة البناء ، فالمسرح الجزائري لم يكن يومًا مجرد ممارسة فنية معزولة عن سياقها، بل كان دومًا جزءً من حركة المجتمع وأسئلته الكبرى، ومرآةً لتحولاته السياسية والثقافية واللغوية.
ومن هنا، فإن استحضار التجارب المؤسسة لا يهدف إلى تكريسها في إطار رمزي مغلق، بل إلى مساءلتها واستلهام روحها في مواجهة رهانات الحاضر.
وقد شكّلت تجربة كاتب ياسين منعطفًا حاسمًا في هذا المسار؛ إذ ارتقى بالمسرح من فضاء للفرجة إلى ساحة للفكر والموقف ، في أعماله، لم تكن الكلمة زينةً بل فعلًا ، ولم يكن العرض ترفًا بل ضرورةً ثقافية تعكس توتر الهوية وتطلعات الإنسان الجزائري ، حيث أسّس لمسرح متجذر في الواقع، منفتحا على التجريب، ومؤمنا بأن الخشبة يمكن أن تكون امتدادًا للشارع، وصدىً لنبض الناس ، ومن خلال تلكم المبادرة نقف عند ستعادة التجربة التي تعني استعادة الجرأة على طرح الأسئلة، والقدرة على تحويل الفن إلى مساحة نقد وبناء في آنٍ واحد.
ضمن هذا الأفق، تستعيد السلسلة أسماءً صنعت ملامح الركح الجزائري وأسهمت في ترسيخ قيم الالتزام والصدق الفني. ، يظل الفنان القدير ” يوسف آيت مولود” شاهدًا على مرحلة التأسيس، وجسرًا حيًا بين الفكرة وتجسيدها الركحي، حاملًا روح المسؤولية الثقافية التي رافقت تلك التجارب الأولى.
كما يحضر اسم ” الطاهر بن ضياف” ، المعروف بـ“حكمت”، بوصفه أحد الأصوات التي منحت للمسرح الشعبي عمقه الإنساني، وجعلت من الخشبة فضاءً نابضًا بقضايا الإنسان البسيط وهمومه اليومية ، ويأتي ” بد الرحمان إيكريوان” ليؤكد استمرارية هذا النهج ، محافظًا على رؤية ترى في المسرح علاقةً عضوية مع المجتمع لا تنفصل عن سياقها الثقافي ، أما الكاتب المسرحي ” عبد الوهاب بوحمام ” ابن قالمة، فقد أسهم في إغناء المشهد الوطني عبر الجمع بين الكتابة والتأطير، مؤكدًا أن الاحتراف والتكوين ليسا خيارًا تكميليًا، بل ضرورة لاستدامة الفعل المسرحي.
وتتعمّق دلالة المبادرة حين نقرأها في ضوء الجغرافيا الثقافية التي شكّلت ملامح المسرح الجزائري ، من تيزي وزو حيث تماهت الخشبة مع أسئلة الهوية واللغة والذاكرة الجماعية ، إلى الجزائر العاصمة التي احتضنت تلاقح الرؤى الفكرية وطرحت إشكالات الحرية والالتزام الجمالي، وصولًا إلى قسنطينة بتاريخها الثقافي العريق الذي أضفى على التجربة المسرحية بعدًا أكاديميًا وفنيًا راسخًا ، لتتعانق جميعها في سيدي بلعباس منبع الفن والإبداع ، حيث في هذا الامتداد، لا تبدو سيدي بلعباس نقطةً هامشية، بل حلقةً واصلة تعيد صياغة العلاقة بين المركز والهامش، وتؤكد أن الإبداع يتغذى من تعدد الأصوات وتنوع السياقات.
إن ما يمنح هذه السلسلة بعدها الاستراتيجي هو وعيها بأهمية التوثيق بوصفه فعل مقاومة ضد النسيان ، فالذاكرة المسرحية، إن لم تُثبَّت شهاداتها وتُجمع أرشيفاتها وتُقرأ تجاربها قراءة نقدية، تصبح عرضة للتآكل.
ومن هنا، يتحول التوثيق إلى فعل تأسيسي يضمن استمرارية المشروع الثقافي، ويتيح للأجيال الجديدة الانطلاق من أرضية صلبة بدل البدء من الفراغ.
غير أن التوثيق، في هذا السياق، لا ينفصل عن التجديد؛ إذ لا معنى لحفظ الإرث إذا لم يتحوّل إلى مادة إلهام، ولا قيمة لاستحضار الأسماء إذا لم تُترجم روحها إلى لغة معاصرة تستجيب لأسئلة اليوم.
هكذا تتجاوز سلسلة “المسرح… ذاكرة تتجدّد…” حدود الاحتفاء الرمزي، لتغدو مختبرًا فكريًا يعيد تعريف العلاقة بين الماضي والمستقبل ، فهي تؤمن بأن الوفاء الحقيقي للرعيل الأول لا يتحقق بتكرار منجزهم، بل بمواصلة المغامرة التي بدأوها: مغامرة البحث عن لغة مسرحية أكثر عمقًا، وأكثر اتصالًا بالإنسان، وأكثر قدرة على مساءلة الواقع وتحويله.
يبقى الركح الجزائري، في ضوء هذه الرؤية، فضاءً مفتوحًا على الاحتمال؛ ذاكرةً نابضة لا تنغلق على ذاتها، وإبداعًا لا ينفصل عن جذوره ، بل مساحةٌ يلتقي فيها التاريخ بالحلم، ويتحوّل فيها الصوت الفردي إلى صدى جماعي، وتستمر فيها الرسالة التي آمن بها الرواد: أن المسرح، قبل أن يكون عرضًا، هو موقفٌ من العالم، ووعيٌ بالذات، ووعدٌ دائم بالتجدّد. بقلم : عباسية مدوني





