في موعدٍ فنيٍّ وإنسانيٍّ سامق، يحتضن مسرح سيدي بلعباس تجربة مميزة لأبطالٍ من نوعٍ خاص، هم أطفال جمعية مفاتيح الجنة لمتلازمة داون من ولاية برج بوعريريج، الذين يقدّمون عرضهم المسرحي “محكمة الغابة” يوم الأحد 26 أكتوبر 2025 بقاعة سينما العمارنة، في تجربة فنية تُعيد تعريف معنى الإبداع، وتُبرهن أن المسرح ليس ترفاً فنياً، بل وسيلة علاجٍ راقٍ تُنصف الجمال في الاختلاف.
الفن كطاقة علاجية تعيد الثقة وتغرس القيم
من خلال هذا العرض الذي كتبه وأخرجه عمار دامة، يتحوّل المسرح إلى فضاءٍ علاجي يُتيح لأطفال متلازمة داون التعبير عن ذواتهم بحرية وثقة.
تدور أحداث المسرحية في “قصر الغابة” حيث يُحاكم الأسد عدداً من الحيوانات بسبب سلوكياتهم السلبية، في مشهدٍ رمزيٍّ يُسلّط الضوء على القيم التربوية والإنسانية كالتسامح، والتوبة، والعدل.
أين بسعى الممثلون الى تجسيد أدوارهم بإتقان، لتغدو كل إيماءةٍ ونظرةٍ على الخشبة دليلاً على أن الفن قادر على شفاء الأرواح، وبناء الجسور بين القلوب.
جمعية مفاتيح الجنة.. رسالة إنسانية متجددة
تُعد جمعية مفاتيح الجنة لمتلازمة داون أنموذجاً رائداً في الجزائر، تُعنى منذ تأسيسها بتمكين الأطفال ذوي الهمم العالية، وتأهيلهم اجتماعياً وتربوياً ونفسياً، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة حولهم.
وفي رؤيتها الجديدة لعام 2024، قررت الجمعية اعتماد مقاربة رقمية شاملة عبر موقعها الإلكتروني (www.mafatihaljenah.org) ومنصاتها الاجتماعية، لتسهيل التواصل مع الأسر والمتطوعين، وتعزيز الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة.
المسرح .. علاج بالفن وتربية على القيم
“محكمة الغابة” ليست مجرد عرض مسرحي، بل تجربة علاجية وتربوية متكاملة تُبرز كيف يمكن للمسرح أن يكون أداة فعّالة لإعادة بناء الثقة بالنفس، وتنمية المهارات اللغوية والاجتماعية، وتحقيق الاندماج الحقيقي.
فالوقوف على الركح بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليس أداءً فنياً فحسب، بل هو انتصار على العزلة والخجل، وإعلان لقدرتهم على التواصل والإبداع والمشاركة في صناعة الجمال.
الفن الذي يُوحّد
هذا الموعد الفني في سيدي بلعباس،بمتابعة من المسرح الجهوي سيدي بلعباس وتنسيق مع جمعية مفاتيح الجنة، يعكس وعياً متزايداً بأهمية احتضان التجارب الفنية لذوي الهمم، وضرورة الالتفاف حولهم كجزءٍ من نسيج المجتمع، لأن الفن الحقيقي هو الذي يُنصف الإنسان في اختلافه.
حيث الإبداع لا يعرف إعاقة، بل يولد من الإيمان بالقدرة على التغيير. كما تجدر الإشارة ،أن ذات العرض سيشهد جولة فنية بمدن الغرب الجزائري لعرض تجربتهم وتحقيق الانصهار بما فيها كل من : عين تموشنت ، تلمسان ، سعيدة ، معسكر .
ومنه ، تُثبت تجربة “محكمة الغابة” أن المسرح يمكن أن يكون جسراً نحو الشفاء وفضاءً لاكتشاف الجمال في الاختلاف. فحين يبدع ذوو الهمم تتجلى رسالة الفن الحقيقية: أن الإبداع لا يعرف إعاقة، وأن الإنسانية هي أعظم أدوار الحياة.
بقلم : عباسية مدوني





