مونودراما المتمردد… حين يصير الركح مرآة قاسية للحرية المؤجلة

0
522

٨ ضمن سهرات الشهر الفضيل 2026، المؤثثة من طرف مسرح سيدي بلعباس ،بتنسيق مع مديرية الثقافة والفنون ، وعلى مستوى قاعة سينما العمارنة بسيدي بلعباس، قدّم الفنان دين الهناني محمد جهيد مونودراما “المتمردد” في عرض تجاوز حدود الفرجة ليؤسس لحظة مساءلة وجودية مكثفة.

العمل لا يطرح التردد كضعف إرادة، بل كعرض جانبي لوعي مثقل بالخيارات، حيث يولد الإنسان محاطًا بشبكة من التوقعات الجاهزة التي تصوغ مساره قبل أن يختار ملامحه بنفسه.

العرض يشتغل على سؤال الحرية بوصفها وهمًا اجتماعيًا؛ فالطفولة تُلقَّن الطاعة، والمراهقة تُحاصر بالتحذيرات، والشباب يُدفع نحو نجاح مُعلّب، فيما يتسلل الندم في النضج كحصيلة مؤجلة لقرارات لم تُتخذ بشجاعة.

هذه الثيمات قُدّمت عبر قالب كوميدي ذكي، جعل الضحك أداة تفكيك لا تنفيسًا عابرًا. يضحك الجمهور لأنه يتعرّف على هشاشته، ولأن السخرية تكشف عبث طقوس اعتادها دون مساءلة.

أدائيًا، حمل الممثل العرض بطاقة داخلية متوازنة، متنقلًا بين حالات نفسية متباينة دون افتعال، مستثمرًا الجسد والصوت والصمت كعناصر درامية أساسية.

بساطة الفضاء الركحي خدمت الرؤية، فبقي التركيز على التحولات الداخلية للشخصية. ومع ذلك، بدت بعض الأفكار وكأنها تمرّ سريعًا على تخوم أسئلة فلسفية تستحق تعميقًا أكبر، ما يفتح أفقًا لتجارب لاحقة أكثر حدّة وجرأة.

“المتمردد” ليس عرضًا يمنح إجابات، بل تجربة تحرّض على التفكير. إنه تذكير بأن المسرح، حين يعي رهاناته، يستطيع أن يحوّل ليلة عابرة إلى مواجهة صريحة مع الذات.

ومنه ، يترك عرض “المتمردد” أثره لا كعرض يُشاهَد وينتهي، بل كتجربة تُقيم في الذاكرة وتواصل طرح أسئلتها بصمتٍ مقلق ،إنه يذكّرنا بأن أخطر أشكال التردد ليست تلك التي تعطل خطواتنا، بل تلك التي تُخدّر وعينا فنمضي في طرقٍ لم نخترها حقًا، أين يبدو الأمر واضحًا: الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل شجاعة تُمارَس، والاختيار ليس حقًا نظريًا بل مسؤولية وجودية. بقلم : عباسية مدوني