ليس الفقد حدثًا ينتهي بانتهاء مراسم الرحيل، ولا الغياب مساحةً فارغةً يمكن للزمن أن يملأها بسهولة؛ إنّه، في كثير من الأحيان، بداية لحضور آخر، أكثر قسوةً والتباسًا، حضور يستقر في الذاكرة والوجدان ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان والزمن والأشياء.
من هذه المنطقة النفسية والفلسفية الموجعة تنطلق مونودراما «هوس»، من إنتاج المسرح الجهوي لسيدي بلعباس، في نص للكاتب ” أحميدة عياشي” ، وتصميم عرض لـ ” عبد القادر جريو” ، وسينوغرافيا ” مريوح عبد الإله ” ، وتشخيص ” بن خال أحمد” ، وموسيقى حية على الركح مرافقة لـ” نبال عبد القادر ” شخصية محورية في تصميم العرض.
منذ عتبة العنوان، لا تقدم «هوس» نفسها بوصفها حكاية عن الموت فحسب، بل باعتبارها بحثًا في ما يتركه الموت خلفه.
فـ«الهوس» هنا ليس اضطرابًا نفسيًا بالمعنى الطبي المباشر، وإنما حالة وجودية يستحيل فيها النسيان، ويتحول الغائب إلى مقيم دائم في الذاكرة ، ولذلك يبدو السؤال المركزي للعرض ليس: من مات؟ وإنما: كيف يعيش من بقي مع موت من رحل؟
«هوس»… كعنوان يختصر مأساة البقاء…
العنوان شديد الاقتصاد، لكنه شديد الاتساع دلاليًا ، فالهوس فعل تكرار؛ تكرار استحضار، تكرار سؤال، تكرار استرجاع، وتكرار محاولة الإمساك بما لا يمكن الإمساك به.
وحين تقول الشخصية:
«ترابي وترابك واحد… ودنيا حكاية منسية…
عند قبرك نمسّد، نعيدوا الأخبار أنا وإنتيا…»
فإن الخطاب يتجاوز الميت بوصفه جسدًا غائبًا، ليجعله طرفًا في حوار لا يعترف بالموت باعتباره قطيعة نهائية. القبر وكما أشير له في العرض ( المقام ) لا يصبح مكان النهاية، بل يتحول إلى فضاء للقاء؛ لقاء لا يحدث في الواقع، وإنما في الذاكرة، في المخيلة، وفي ذلك الحد الفاصل بين ما حدث وما يتمنى الإنسان لو أنه لم يحدث.
هنا تكمن إحدى أهم جماليات النص: الميت لا يتكلم، لكنه حاضر في كل شيء.
والشخصية لا تبحث عن استعادة الجسد، بقدر ما تبحث عن استعادة التفاصيل؛ الصوت، الضحكة، العطر، الكلمات، المواعيد، واللحظات الصغيرة التي كانت تبدو عابرة قبل أن يمنحها الموت قيمتها الجديدة.
من القبر تبدأ الحكاية… ومنه يستحيل اكتمالها
اختيار المقام بوصفه منطلقًا دراميًا لرًا مكانيًا فقط، بل هو اختيار دلالي يؤسس منذ البداية لمفارقة العرض الكبرى: المكان الذي يفترض أن يكون نهاية الحكاية يصبح بداية الحكي.
لكن الحكاية في «هوس» لا تبحث عن اكتمالها؛ بل إن عدم اكتمالها هو جوهرها.
كلما حاولت الشخصية أن تتحدث، اصطدمت بغصة ، وكلما اقتربت من استعادة الماضي، عاد الحاضر ليذكرها بأن من تخاطبه لم يعد موجودًا ، ومن هنا يتحول الكلام إلى فعل مقاومة للموت، لكنه في الوقت نفسه يكشف عجز اللغة عن ترميم الفقد.
إنها كتابة تقوم على القول المستحيل: أن تتحدث إلى من لا يستطيع الإجابة، وأن تستمر في سرد الحكاية مع غياب أحد أطرافها.
ولذلك فإن الصمت في «هوس» لا يقل أهمية عن الكلام؛ بل ربما يصبح في لحظات كثيرة أكثر بلاغة منه.
التفاصيل الصغيرة بوصفها ذاكرة كبرى…
من أجمل مداخل العرض اشتغاله على مفهوم التفاصيل ، حيث أن
الفقد لا يستحضر الإنسان في صورته الكبرى فقط، بل يعيده إلينا عبر جزئيات صغيرة جدًا: مكان كان يجلس فيه، صوت اعتدناه، حركة عابرة، كلمة، رائحة، ضحكة، موعد لن يأتي، وطقس يومي فقد أحد عناصره.
ولهذا فإن «هوس» لا يبدو رثاءً تقليديًا لشخص غائب، وإنما تشريحًا لذاكرة الفقد ، فالذاكرة هنا ليست أرشيفًا مرتبًا؛ إنها ذاكرة مضطربة، تقفز بين الأزمنة، تستدعي ثم تتراجع، تقترب ثم تنكسر.
وهذا ما يمنح المونودراما مشروعيتها الجمالية؛ لأن الشكل الأحادي على الخشبة يتوافق جوهريًا مع حالة الشخصية التي أصبحت محاصرة داخل ذاتها، داخل حوارها الداخلي، وداخل أسئلتها التي لا تجد إجابات.
المونودراما… عزلة الجسد واتساع الروح
اختيار الشكل المونودرامي في «هوس» يبدو ملائمًا لموضوع العرض إلى حد بعيد.
فالمونودراما ليست هنا مجرد وجود ممثل واحد فوق الخشبة، وإنما هي اختبار للعزلة الإنسانية ، جسد واحد يحمل ذاكرة أكثر من شخص، وصوت واحد يحاول أن يؤدي حوارًا كاملًا مع غائب لا يظهر إلا عبر مخيلة الشخصية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الممثل في مواجهة مزدوجة: مواجهة الجمهور من جهة، ومواجهة الغائب من جهة أخرى.
وهذا ما يجعل أداء ” بن خال أحمد” يشتغل على مستويات دقيقة من الحضور والانفعال ، فالمطلوب لم يكن البكاء المستمر ولا الانفعال المباشر، لأن الإفراط في الحزن قد يحول الفقد إلى خطاب ميلودرامي سهل. القوة الحقيقية في مثل هذه التجارب ظهرت في قدرة الممثل على إدارة الألم، لا مجرد إظهاره.
فالوجع المسرحي الأكثر تأثيرًا هو ذلك الذي يتسلل من الجسد قبل أن يصل إلى الكلمات: انحناءة، توقف، نظرة، ارتباك في الحركة، اقتراب من القبر، تراجع عنه، أو لحظة صمت تبدو فيها الشخصية وكأنها تستمع إلى صوت لا يسمعه أحد سواها.
وهنا يصبح الجسد نفسه نصًا موازيًا للنص المكتوب وقد رسم خطوطه الممثل أدائيا وروحيا .
السينوغرافيا… حين يتحول القبر ( المقام ) إلى ذاكرة بصرية , تشتغل سينوغرافيا ” مريوح عبد الإله ” على اقتصاد واضح في العناصر، لكنها تحمل كثافة رمزية كبيرة.
الفضاء المعتم، الأرض التي تستحضر القبر، الجسد المنهار، وبقايا العناصر المتناثرة، كلها تجعل الخشبة تبدو كأنها منطقة بين الحياة والموت.
أما اللون الأبيض في ملابس الشخصية، وسط العتمة المحيطة، فيحمل أكثر من قراءة: يمكن أن يُرى بوصفه علامة على هشاشة الإنسان أمام الموت، أو بوصفه بقايا نقاء وذكرى لم تُلوثها الأيام، بينما تعمل العتمة المحيطة على ابتلاع هذا البياض تدريجيًا.
وبقي الفضاء المحدد سينوغرافيا للعرض ذا وظيفة مضادة للهدوء؛ فلم تكن بقية السينوغرافيا مجرد عناصر جمالية ، وإنما يمكن قراءتها بوصفها شظايا للوجع، أو ومضات ذاكرة، أو نزيفًا داخليًا يتخذ شكلًا بصريًا ضمن طقوس استحضرها العرض .
كما ان الاستعانة بطقس الدخان ، فقد منح الصورة المسرحية بعدًا بينيًا؛ فلا هو مادة صلبة يمكن الإمساك بها، ولا هو فراغ كامل. إنه شيء يتشكل ثم يتلاشى، تمامًا كالذكرى.
وهكذا تجتمع العناصر السينوغرافية لتنتج فضاءً لا يمثل المقبرة حرفيًا فقط، بل يمثل الداخل النفسي للشخصية.
الشخص الغائب… حاضر بصريًا رغم غياب الكلام…
من اللافت في التكوين البصري للعرض حضور شخصية/هيئة أخرى في الخلفية، غارقة في الظل ، وهو اختيار يفتح إمكانًا تأويليًا غنيًا.
هل نحن أمام الغائب؟
أم أمام ذاكرة الشخصية؟
أم أمام صورة متخيلة للموت؟
أم أمام نصف آخر من الذات؟
قوة العرض أنه لا يقدم إجابة نهائية ، فالمسرح الجيد لا يغلق الدلالة، وإنما يترك للمشاهد مساحة ليكملها.
وإذا كانت الشخصية الموجودة في المقدمة تعيش الفقد، فإن الهيئة الغارقة في الظل تبدو كأنها الحضور المستحيل؛ حضور لا يستطيع أن يعود كاملًا إلى الحياة، لكنه يرفض أن يختفي تمامًا.
وهنا يتحول الغياب إلى شخصية درامية غير منطوقة.
الموسيقى… ليست خلفية بل «ضمير» العرض وشخصية محورية …
تكتسب الموسيقى المرافقة، بأداء ” نبال عبد القادر” عزفا وأداء لبعض مقاطع الأغاني التي ترحل بالمتلقي نحو عوالم الفقد والحنين ، أهمية خاصة في هذا العرض، لأنها لا تبدو مجرد مرافقة صوتية للحدث، بل تؤدي وظيفة درامية مستقلة.
ويمكن النظر إليها باعتبارها الشخصية الثانية غير المرئية في «هوس».
فحين تعجز الشخصية عن الكلام، تتولى الموسيقى الكلام ، وحين يتوقف الحوار، تستمر هي في إنتاج المعنى ونسجه ، وحين تتعثر الذاكرة، تصبح النغمات بمثابة خيط يصل الحاضر بالماضي ضمن روحانية خاصة ، وهذا ما يجعل الموسيقى أشبه بـ ضمير آخر للموجوع؛ ضمير لا يشرح الألم، وإنما يترجمه.
إن قيمة الموسيقى في العرض لا تكمن في قدرتها على صناعة الحزن فقط، وإنما في قدرتها على ضبط إيقاع الانفعال، وعلى منح الصمت نفسه معنى ، فالخطر في عروض الفقد أن تتحول الموسيقى إلى أداة ابتزاز عاطفي، لكن حين تتعامل مع الوجع بوصفه حالة داخلية لا بوصفه بكاءً خارجيًا، فإنها ترتقي من وظيفة التزيين إلى وظيفة الدراماتورجيا.
ومن هنا يمكن القول إن حضور ” نبال عبد القادر” موسيقيًا أضاف طبقة ثانية من السرد، سردًا لا يُروى بالكلمات وإنما بالنبرات والإيقاعات والمسافات والصمت.
«هوس»… بين النص والعرض
نص ” أحميدة عياشي” لا يبدو مهتمًا ببناء حكاية تقليدية ذات بداية ووسط ونهاية، بقدر اهتمامه ببناء حالة نفسية ، وهذه
نقطة جوهرية في قراءة العمل و الوقوف عند تفاصيله .
فالحكاية الواقعية قد تنتهي بالموت، لكن الحكاية النفسية تبدأ منه ، ولهذا لا نجد في «هوس» مسارًا حكائيًا خطيًا بقدر ما نجد دوائر من الاسترجاع والاستحضار.
الشخصية لا تتقدم نحو النهاية؛ إنها تدور حول الجرح نفسه.
وهذه الدائرية ليست ضعفًا دراماتورجيًا بالضرورة، بل يمكن اعتبارها تجسيدًا لبنية الهوس ذاته: أن تعود دائمًا إلى النقطة نفسها مهما حاولت الهروب منها.
كل طريق يقود إلى الغائب، وكل ذكرى تنتهي بالقبر، وكل محاولة للنسيان تنتهي باستعادة التفاصيل.
” عبد القادر جريو” … تصميم يترك المسافة بين الواقعي والمتخيل , في تصميم العرض لـ ” عبد القادر جريو” تبدو الخشبة محكومة بمنطق الاقتصاد، لكن الاقتصاد هنا لا يعني الفقر البصري، وإنما يعني ترك العناصر القليلة تحمل أكبر قدر ممكن من الدلالة.
وهذا من صميم جماليات المونودراما؛ إذ لا تحتاج الخشبة إلى وفرة الأشياء عندما يكون الموضوع نفسه قائمًا على الفراغ.
فالفراغ يصبح عنصرًا دراميًا.
المكان الخالي هو مكان الغائب.
الكرسي الفارغ هو صورة الغائب.
الصمت هو صوت الغائب.
والقبر ( المقام ) هو آخر شكل للحضور.
ومن خلال هذا الاقتصاد، يتحول العرض من حكاية شخصية إلى تجربة يمكن للمشاهد أن يسقط عليها فقده الخاص.
” بن خال أحمد” … حين يصبح الممثل حاملًا لذاكرة كاملة
التشخيص في المونودراما امتحان قاسٍ للممثل؛ إذ لا توجد شخصيات أخرى يستند إليها، ولا حوارا متبادلا يسمح بتوزيع الطاقة الدرامية ، حيث كل شىء يقع على عاتقه: الإيقاع، الصمت، الحركة، الصوت، الانفعال، والتحول.
وفي «هوس»، لا يكفي أن يكون الممثل حزينًا؛ عليه أن يجعل الجمهور يشعر بأنه يعيش مع الغائب، ثم يكتشف في اللحظة نفسها أن الغائب لم يعد موجودًا.
وهذا الفارق بين الأداء الانفعالي والأداء الداخلي هو أحد مفاتيح نجاح العمل.
فالممثل لا يؤدي شخصية تتذكر فقط، بل يؤدي شخصية تعيش داخل الذاكرة ومن خلالها .
وهنا يصبح الجسد في بعض لحظاته أقرب إلى جسد إنسان يبحث عن شيء ضائع في الأرض، وفي لحظات أخرى إلى جسد يريد أن يستسلم للغياب ، هذه الحركة بين المقاومة والانهيار تمنح الشخصية بعدها الإنساني.
من الرثاء إلى سؤال وجودي
الأهم في «هوس» أنه لا يبقى عند حدود الرثاء.
الرثاء يقول: لقد رحل شخص.
أما العمل فيقول: ماذا يفعل الرحيل بمن بقي؟
وهذا سؤال أعمق ، فالموت لا ينهي العلاقة بالراحل، وإنما يغير طبيعتها ، قبل الموت كانت العلاقة تقوم على اللقاء؛ بعده تصبح قائمة على الذاكرة ، قبل الموت كان الحوار متبادلًا؛ بعده يصبح أحادي الاتجاه ، قبل الموت كان الآخر موجودًا أمامنا؛ بعده يصبح موجودًا في داخلنا ، ومن هنا يمكن فهم «الهوس» بوصفه شكلًا من أشكال مقاومة المحو.
فالإنسان حين يستعيد اسم الراحل، وحين يعيد حكاياته، وحين يزور قبره، وحين يخاطبه، لا يفعل ذلك لأنه يجهل حقيقة الموت، بل لأنه يحاول أن يمنع الغياب من أن يتحول إلى نسيان.
النهاية التي لا تنتهي
«الحكاية لا ولن تكتمل في هوس».
هذه العبارة تلخص جوهر التجربة.
فالحكاية غير المكتملة ليست نقصًا في العرض، وإنما هي المعنى نفسه ، لأن الموت قطع الحكاية في منتصفها، وترك الناجين أمام أسئلة لا إجابة لها.
ولهذا فإن «هوس» لا يقدم شفاءً سهلًا من الفقد، ولا يقترح أن الزمن قادر على محوه.
الجبر، كما تقول التجربة، لا يعني عودة الغائب ، لأن الجبر الحقيقي ربما يكون أن نتعلم كيف نحمل الغياب دون أن نتحول إلى موتى آخرين.
وهنا تبلغ المونودراما ذروتها: الفقد لا يُشفى منه تمامًا؛ نتعلم فقط كيف نعيش بجواره ، أين يغدو عرض
«هوس» وجغا يتحول إلى لغة مسرحية.
صفوة القول ، أن عرض «هوس» يمكن اعتباره تجربة تنطلق من مأساة خاصة لتصل إلى سؤال إنساني عام: ماذا يبقى منا حين يغادرنا من أحببنا؟
وقد استطاع العمل، من خلال منظومة فنية من نص أحميدة عياشي، وتصميم عبد القادر جريو، وسينوغرافيا مريوح عبد الإله، وتشخيص بن خال أحمد، والموسيقى المصاحبة بأداء نبال عبد القادر، أن يجعل من الفقد مادةً مسرحية لا تقوم على البكاء وحده، وإنما على الذاكرة والصمت والجسد والصورة والصوت.
إن قوة «هوس» لا تكمن في أنها تحكي عن الموت، فالموت حتمية ، ” هوس ” يضعنا أمام ما بعد الموت: ذلك العالم الذي يظل فيه الراحلون أحياء بطريقة أخرى، داخل أصواتنا، في تفاصيلنا، في أماكننا، وفي الجمل التي لا نكف عن ترديدها رغم أننا نعرف أنها لن تصل.
في «هوس»، لا يبدو القبر نهاية الطريق ، إنه مكان تبدأ عنده ذاكرة أخرى.
وحين تنتهي الكلمات، تبقى الموسيقى.
وحين يصمت الجسد، يبقى الأثر.
وحين يغيب الإنسان، تبدأ الحكاية الأصعب:
حكاية من بقي.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي يتركه العرض معلقًا في فضاء المشاهد ليس: كم يستمر الحزن؟ وإنما:
كم نحتاج من الوقت كي نفهم أن بعض الغائبين لا يغادروننا أبدًا؟
وفي تلك المسافة بين القبر والذاكرة، بين الصمت والموسيقى، بين الجسد الحاضر والروح الغائبة، يولد «هوس»… لا بوصفه حكاية عن الفقد فقط، بل بوصفه مسرحًا للغياب حين يتحول الغائب إلى أكثر الحاضرين حضورًا.
بقلم de: عباسية مدوني





