احتفالية اليوم العالمي للمسرح … رحلة الإبداع من القليعة إلى سيدي بلعباس

0
673

احتفالية اليوم العالمي للمسرح … رحلة الإبداع من القليعة إلى سيدي بلعباس
في اليوم العالمي للمسرح، مارس 2026، يتحوّل الركح إلى أكثر من خشبة عرض؛ يصبح مساحة حية تستحضر الذاكرة وتحتفي بالوفاء للذين صنعوا من الفن رسالة إنسانية قبل أن يكون جمالًا بصريًا. وفي هذا الإطار، أطلق المسرح الجهوي لسيدي بلعباس مبادرة ثقافية تجمع بين التاريخ والإبداع، عبر محطتين بارزتين في القليعة وسيدي بلعباس، حيث يلتقي الحاضر بالذاكرة في مشهد يعكس عمق الوعي بأهمية صون الإرث الفني الوطني.
في القليعة، المدينة التي احتضنت أصواتًا انحازت لقضايا الوطن، تم تكريم الفنان والمناضل دحماني عدة المعروف باسم “محمد سليم”، صاحب الأناشيد الوطنية الخالدة مثل “إخواني لا تنساووا شهداءكم”، والتي تجاوزت كونها أعمالًا فنية لتصبح وثائق وجدانية تحافظ على الذاكرة النضالية للشعب الجزائري. كما امتد عطاؤه إلى المسرح الملتزم من خلال تعاونه مع الأديب كاتب ياسين، حيث شكّل خطابًا فنيًا يجمع بين العمق الفكري والبُعد الشعبي، ويعكس التزام الفنان بقضايا مجتمعه، حيث تصبح الخشبة امتدادًا للنضال والفن وسيلة للتغيير.
وعلى نفس المنوال، تم تكريم الجيل الجديد من المبدعين، عبر الفنان الشاب محمد ينينة، أحد أبناء حركة مسرح القليعة، تقديرًا لمساره الإبداعي ونشاطه الجمعوي، في إطار شراكة بين المسرح الجهوي وجمعية حركة مسرح القليعة بقيادة الفنان يوسف تعوينت، وبالتعاون مع جمعية “زهرة الحياة” من البليدة، حيث تم عرض مسرحية “ألم الحياة” (تأليف يوسف تعوينت، إخراج بلعربي محمد صهيب) مع قراءة رسالة اليوم العالمي للمسرح على لسان الفنان الشاب إسماعيل باحميد، في دار الثقافة “أحمد عروة” بالقليعة.
أما في سيدي بلعباس، فقد استكملت مظاهر الوفاء بتكريم الفنان عبد الصايم محمد، أحد روّاد مسرح الطفل وفن العرائس، الذي كرّس أكثر من أربعة عقود لخدمة الطفولة والفن التربوي، مؤمنًا بأن مسرح الطفل فضاء يربّي ويشكل، لا مجرد ترفيه، وجعل من فن الدمى تجربة تجمع بين الإبداع والتكوين، كما ساهم في إبراز المسرح الجزائري على الصعيد الوطني والدولي.
وشهدت قاعة سينما العمارنة عرض مسرحية “الحارس” (اقتباس وإخراج عزّ الدين عبار)، حيث تميز العرض بالبساطة والعمق في الطرح، والأداء الجماعي المتناغم لكل من أحمد بن خال، محمد بن بكريتي، وحوسين بن سميشة، في تجربة ركحية معاصرة تمزج بين النص العالمي والحسّ المحلي.
رافق هذه الاحتفالية قراءة رسالة اليوم العالمي للمسرح بصوت الممثلة الشابة سعدي فاطمة، مرفقة بموسيقى الفنان عبد القادر نبال، التي جمعت بين التراث والأصالة والاحترافية، لتضفي على اللحظة رونقًا خاصًا.
إن هذه المبادرة تتجاوز كونها مجرد احتفال تكريمي؛ فهي تأكيد على أن الوفاء للروّاد جزء من استمرارية الفعل الإبداعي، وأن الاستثمار في الذاكرة الفنية لا يقل أهمية عن دعم الإنتاج المسرحي. فالمسرح يستمد قوته من تجاربه ورموزه، ليظلّ حاملًا للهوية ومرآةً لتحولات المجتمع، ويظلّ منبرًا للوعي الوطني والحوار الحضاري بين الأجيال.
بقلم: عباسية مدوني