الجزائر تتجاوز الأردن و النمسا تفرض اختبارًا مختلفًا في سباق التأهل

0
255

أعاد المنتخب الجزائري إحياء آماله في مواصلة المشوار المونديالي بعد فوزه الثمين على نظيره الأردني بنتيجة هدفين مقابل هدف، في مباراة حملت أكثر من مجرد ثلاث نقاط في رصيد “الخضر”.

فبعيدًا عن الحسابات الرقمية للمجموعة، كشفت المواجهة عن جوانب مهمة في شخصية المنتخب وقدرته على التعامل مع الضغوط، كما فتحت الباب أمام تساؤلات أكبر بشأن ما ينتظر أبناء فلاديمير بيتكوفيتش في المواجهة الحاسمة أمام النمسا.

دخل المنتخب الجزائري اللقاء وهو يدرك أن أي نتيجة غير الفوز قد تعقّد مهمته بشكل كبير بعد الخسارة الافتتاحية أمام الأرجنتين.

غير أن البداية لم تكن مثالية، حيث واجه الفريق صعوبات واضحة في اختراق التنظيم الدفاعي الأردني، وافتقد في العديد من الفترات إلى السرعة المطلوبة في تدوير الكرة وإيجاد الحلول بين الخطوط.

وقد نجح المنتخب الأردني في استغلال إحدى فترات التراجع الجزائري لافتتاح باب التسجيل، ليضع “الخضر” أمام اختبار ذهني وتكتيكي جديد.

لكن ما ميّز المنتخب الجزائري هذه المرة هو قدرته على الحفاظ على هدوئه وعدم السقوط في فخ التسرع. فمع مرور الوقت بدأ الفريق يستعيد توازنه تدريجيًا، وارتفع مستوى الضغط في مناطق المنافس، كما تحسنت حركة اللاعبين دون كرة، لتتحول السيطرة الميدانية شيئًا فشيئًا إلى فرص حقيقية انتهت بقلب النتيجة وتحقيق فوز ثمين يعكس قوة رد الفعل أكثر مما يعكس سهولة المباراة.

ومن الناحية التكتيكية، أظهرت المواجهة أن الجزائر تكون أكثر فاعلية كلما رفعت من نسق اللعب وفرضت ضغطًا متقدمًا على المنافس.

فالفريق بدا أكثر خطورة عندما نجح في استعادة الكرة بالقرب من منطقة الأردن، مستفيدًا من التحركات الذكية لعناصر الخط الأمامي والدعم المستمر من لاعبي الوسط. كما ظهر التحسن في الربط بين الخطوط خلال الشوط الثاني مقارنة بما كان عليه الوضع في بداية اللقاء.

غير أن الانتصار، رغم أهميته، لا يجب أن يحجب بعض النقائص التي ما تزال ترافق المنتخب منذ بداية البطولة. فالتحولات الدفاعية السريعة لا تزال تمثل أحد أبرز مصادر القلق، خاصة عند فقدان الكرة في المناطق المتقدمة.

كما أن الفريق أظهر في بعض الفترات هشاشة في التمركز الدفاعي وترك مساحات يمكن للمنتخبات الأكثر جودة استغلالها بشكل أفضل.

وتبرز كذلك مسألة الفعالية الهجومية كأحد التحديات المطروحة أمام الطاقم الفني.

فرغم القدرة على صناعة الفرص والوصول إلى مناطق الخطر، فإن معدل تحويل تلك الفرص إلى أهداف لا يزال دون المستوى الذي تتطلبه المباريات الكبرى، حيث قد لا تتكرر الفرص كثيرًا أمام منافسين من طراز أعلى.

وهنا تحديدًا تبدأ ملامح المواجهة المقبلة أمام النمسا، التي تبدو مختلفة تمامًا عن لقاء الأردن سواء من حيث المستوى الفني أو المقاربة التكتيكية.

فالمنتخب النمساوي يتميز بانضباط جماعي كبير وقدرة واضحة على الانتقال السريع بين الدفاع والهجوم، إضافة إلى قوة بدنية تسمح له بفرض نسق مرتفع طوال فترات المباراة.

وإذا كان الأردن قد اعتمد أساسًا على التنظيم الدفاعي وانتظار المساحات، فإن النمسا تملك أدوات أكثر تنوعًا، حيث تجيد الضغط في مناطق متقدمة وتستثمر بشكل فعال أي خطأ في بناء اللعب.

وهو ما يعني أن الجزائر ستكون مطالبة بتقديم مباراة أكثر توازنًا وانضباطًا، لأن أي فقدان للكرة أو سوء تمركز قد يتحول بسرعة إلى فرصة خطيرة على مرماها.

وتكمن أهمية هذه المباراة في أنها ستحدد إلى حد بعيد مدى نضج المنتخب الجزائري وقدرته على التطور خلال البطولة.

فالفوز على الأردن أكد امتلاك “الخضر” لشخصية قوية وروح تنافسية عالية، لكنه لم يقدم بعد الإجابة الكاملة حول قدرة الفريق على مجاراة المنتخبات المنظمة تكتيكيًا والقادرة على معاقبة الأخطاء بأعلى درجات الفعالية.

وسيكون على بيتكوفيتش إيجاد المعادلة المثالية بين الجرأة الهجومية والانضباط الدفاعي، مع ضرورة التحكم في وسط الميدان الذي قد يتحول إلى مفتاح المباراة الحقيقي.

كما سيحتاج المنتخب إلى استثمار خبرة لاعبيه في إدارة اللحظات الحاسمة، خاصة أن مثل هذه المواجهات لا تُحسم غالبًا بالتفوق الفني فقط، بل بالتفاصيل الصغيرة والقدرة على استغلال أنصاف الفرص.

لقد منح الفوز على الأردن المنتخب الجزائري حق الحلم من جديد، لكنه في الوقت نفسه رفع سقف التحديات المقبلة.

فالمعركة الحقيقية لم تعد تتعلق باستعادة الثقة أو إثبات القدرة على العودة في النتيجة، بل بإظهار أن هذا المنتخب يمتلك من النضج والجودة ما يسمح له بالعبور أمام منافس بحجم النمسا.

وبين انتصار أعاد الأمل ومواجهة قد تحدد المصير، يقف “الخضر” أمام لحظة مفصلية في مشوارهم المونديالي؛ لحظة لا تتطلب فقط الفوز، بل تتطلب تقديم أداء يؤكد أن المنتخب الجزائري قادر على منافسة الكبار عندما تشتد المنافسة وتضيق المساحات وتصبح التفاصيل الصغيرة هي الفاصل بين الحلم والوداع.

بقلم : عباسية مدوني