فضاءات الإبداع: حين يتحوّل المسرح إلى أفق إنساني لتمكين ذوي الهمم العالية
في سياقٍ ثقافيٍّ متجدّد يسعى إلى ترسيخ قيم الشمولية والعدالة الثقافية، يبرز مشروع مختبر التكوين المسرحي لذوي الهمم العالية ضمن محور “فضاءات الإبداع: تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال المسرح”، بدعم من وزارة الثقافة والفنون في إطار برنامج دعم الدولة لترقية الفنون والآداب، وبتأثيث من مسرح سيدي بلعباس، بوصفه تجربة نوعية تتجاوز حدود التكوين التقني إلى بناء الإنسان في أبعاده الجمالية والإنسانية العميقة.
ينطلق هذا المختبر على مستوى مركز النعمة لذوي إلاحتياجات الخاصة مع إشراك أطفال مدرسة المعوقين سمعيا ، من رؤية تعتبر المسرح فضاءً جامعًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد وذاته ومحيطه، حيث لا تُختزل الإعاقة في حدودها الظاهرة، بل يُعاد تأويلها كاختلافٍ غنيّ يفتح إمكانات جديدة للإبداع. ومن هنا، يتأسس المشروع كمسار تكويني-تفاعلي يهدف إلى تحرير الطاقات الكامنة لدى ذوي الهمم العالية، وتمكينهم من أدوات التعبير الفني، وتعزيز حضورهم الفاعل داخل النسيج الثقافي والاجتماعي.
لا يقف هذا التكوين عند حدود المهارات، بل ينفتح على أفق إنساني رحب يُعيد الاعتبار للقدرة بدل الإعاقة، ويؤسس لخطاب جمالي يحتفي بالتنوع بوصفه قوة خلاقة ، فالمختبر، في جوهره، فضاء حيّ للتجريب والبحث، تُصاغ فيه التجارب الفردية ضمن رؤية جماعية تُنمّي الثقة بالنفس، وتُعزّز مهارات التواصل، وتفتح مسارات الاندماج الحقيقي.
ويقوم هذا التكوين على مقاربة متعددة التخصصات، تتكامل فيها ورشات فنية وتعبيرية متنوعة، تشكّل في مجموعها تجربة تكوينية شاملة ، إذ من خلال ورشات التعبير الجسدي والصوتي والحسي، يُعاد اكتشاف الجسد كأداة للبوح، والصوت كفضاء للوجود، ضمن تأطير الفنان بوزوينة محمد، حيث تتحوّل الحركة إلى لغة، والنَّفَس إلى إيقاع حيّ يعكس العمق الإنساني للتجربة.
وفي امتداد لهذا المسار، تقترح ورشة “من الحكاية إلى الركح: مسارات التعبير الإبداعي”، تحت تأطير الممثل والمخرج المسرحي بلقيصرية محمد، تجربة تجمع بين السرد والشعر والتجسيد، حيث ينتقل المشاركون من استحضار الذاكرة والخيال إلى بناء مشاهد مسرحية نابضة، في مسار بيداغوجي مرن يراعي الفوارق الفردية ويؤسس لفضاء آمن ومحفّز على الإبداع.
كما يحتضن المختبر ورشة الفن البريدي كمسار علاجي-تعبيري بإشراف الفنان فارس إدير، حيث يتحوّل الرسم والتلوين والكولاج إلى وسائط لتحرير الانفعالات وبناء المعنى، ضمن تجربة تتقاطع فيها الأبعاد النفسية والجمالية، وتُفتح عبرها قنوات تواصل إنساني تتجاوز حدود المكان، وتُعيد الاعتبار لفعل التعبير في أكثر تجلياته حميمية.
وتتواصل مسارات التكوين عبر ورشتين متكاملتين يشرف عليهما الفنانان قادة بن سميشة ولصفر بخالد، تجمعان بين فن الحكي وتصميم الماريونات من جهة، والرسم والتلوين كمدخل للتعبير المسرحي البصري من جهة أخرى، حيث تتحول الحكاية إلى كائن حيّ، ويتحوّل اللون إلى لغة بصرية تعكس العوالم الداخلية للمشاركين، في تفاعل خلاق بين السرد والصورة والحركة.
وفي قلب هذا المشروع، تتجلى ورشة الموسيقى والإيقاع من تأطير الفنان مرابط سمير، كفضاء حسّي يعيد اكتشاف الذات عبر الصوت والنغمة، حيث يصبح الجسد أداة إيقاعية، وتتحول الموسيقى إلى لغة جامعة تُنمّي التناسق الجماعي وتعزّز الإحساس بالانتماء.
كما تفتح ورشة صناعة الأقنعة، بإشراف الفنان شباب عباس، أفقًا بصريًا وتعبيريًا جديدًا، حيث لا يُنظر إلى القناع كوسيط للإخفاء، بل كأداة للكشف الجمالي وإعادة تشكيل الهوية، بما يتيح للمشاركين استكشاف ذواتهم المتعددة وتحويلها إلى تعبيرات مسرحية حيّة.
ولا يغفل المشروع البعد العلمي والعلاجي، من خلال الورقة التي سيقدّمها البروفيسور إدريس قرقوى، والتي تؤسس لمقاربة علاجية بالمسرح، تجعل من الفعل الإبداعي وسيلة للإدماج الاجتماعي والفني، عبر إشراك ذوي الهمم العالية في مختلف مراحل العملية المسرحية، من التكوين إلى الإنتاج.
وفي امتداد لهذا البعد الإنساني، يتقاطع المختبر مع مبادرة نبيلة تتمثل في تنظيم حملة للتبرع بالدم من طرف جمعية المتبرعين بالدم بسيدي بلعباس، في مشهد تتلاقى فيه الثقافة مع التضامن، ويتحوّل فيه الإبداع من فعل جمالي إلى ممارسة إنسانية حيّة، تُجسّد أسمى معاني العطاء.
هكذا، لن يكون مختبر “فضاءات الإبداع” مجرد برنامج تكويني، بل يؤسس لرؤية متكاملة تجعل من المسرح أداة استراتيجية للتمكين، ومن الفن لغة لإعادة بناء الذات، ومن الاختلاف مصدرًا للإثراء لا للإقصاء ، إنه تكوين يعيد كتابة حضور ذوي الهمم العالية في الفضاء الثقافي، لا كمتلقّين، بل كصنّاع معنى، وفاعلين في صياغة مشهد إبداعي أكثر عدلاً وإنسانية وإشراقًا. بقلم : عباسية مدوني
Sign in
Welcome! Log into your account
Forgot your password? Get help
وطني
Password recovery
Recover your password
A password will be e-mailed to you.





