ثقافة _سنيما :افتتاح المهرجان الدولي للفيلم

0
304

جاءت كلمة الوزيرة في افتتاح المهرجان الدولي للفيلم مؤسسة لرؤية ثقافية واضحة تُعيد الاعتبار لوظيفة السينما في زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول دور الفن ومعنى الحضور الإنساني ، فالخطاب لا يتوجه فقط إلى جمهور السينما، بل إلى كل الفاعلين في الحقل الثقافي، واضعين الفن في مكانته الحقيقية كفضاء للتأمل، والتفكير، واستعادة الإنسان بثقله الأخلاقي وطاقته على بناء المعنى.

وبكثير من الوعي والتحريض الإيجابي، تربط الكلمة بين الذاكرة التاريخية للجزائر وانفتاحها على الحوار، وبين قدرة السينما على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتوسيع تخيّل الإنسان لذاته وللعالم من حوله. مستندة بذلك على فلسفة واضحة: الثقافة فعل حياة، والصورة خطاب يُقاوم النسيان، والفن قوةٌ قادرة على تفكيك العتمة وفتح نوافذ جديدة للضوء.

يا أبناء الأسرة السينمائية التي تجتمع اليوم في الجزائر…

هذه المدينة التي تحمل في ذاكرتها تاريخًا من الحوار، وتظلُّ دومًا منفتحة على الأسئلة التي تشغل الإنسان وتوجّه مصيره.

في عالمٍ تتبدّل ملامحه على عجل، تبقى السينما واحدة من أوسع المساحات التي تتيح لنا أن نتأمل مصائر الناس، وأن نعيد التفكير في معنى العيش المشترك، وفي مسؤوليتنا تجاه محيطنا ومجتمعنا وتاريخنا. فالفن، حين يقترب من قضايا الإنسان، يتحوّل إلى معرفة حسّية، تضيء ما قد يُحجب عن النظر، وتمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها الأخلاقية العميقة.

والصورة، حين تُصدّق التجربة الإنسانية، تصبح صوتًا يكشف، ويُذكّر، ويمنح لكلّ ما قد يضيع في زحمة الحياة وزنَه وشرعيته. والسينما الملتزمة بهذا المعنى، قادرة على توسيع وعي الإنسان، وعلى فتح أبواب جديدة للإنصات إلى طبقات الواقع المتعددة، بما فيها تلك التي لا تظهر في الخطابات الرسمية أو السرديات الجاهزة.

إن مهرجاننا اليوم ينهض برؤية تجعل من الإبداع قوةً من قوى بناء المجتمع؛ قوة تسمح بتعدد الأصوات، وتُصون مكانة التفكير النقدي في حياتنا العامة. فحين تحتضن الثقافة اختلاف التجارب وتنوّع المقاربات، يصبح الفعل الفني شريكًا في ترسيخ قيم الانفتاح، والعدل، والاحترام المتبادل.

وتحت سقف هذا المهرجان، تتجاور الأعمال القادمة من أماكن بعيدة، حاملةً معها ذاكرة شعوبها وأسئلتها ومساءلاتها للعالم. فيلتقي المتفرّج بتجارب جديدة، ويعيد اكتشاف قدرته على التعاطف، وعلى قراءة الأحداث بعينٍ أكثر عمقًا واتساعًا. وهكذا، يتجاوز الفيلم دوره الجمالي ليصبح ممارسة فكرية تُنير الطريق نحو فهمٍ أنضج لحقيقتنا المشتركة.

إن الجزائر، بتاريخها الثقافي المعروف ودورها الحضاري المتواصل، مستمرة في دعم الفنون التي تمنح الإنسان حق السرد وحق الحضور. فكل فيلم يُعرض هنا، هو إضافة إلى رصيدنا الرمزي، وإلى المشروع الثقافي الإنساني الذي يؤمن بأن المعرفة تتجدد حين تتفاعل مع الإبداع، وأن الحوار يزدهر حين يجد لغته في الصورة والصوت.

أحيّي صُنّاع الأفلام، وكل القائمين على هذه التظاهرة التي تعيد الاعتبار لقيمة الفن في زمن تتداخل فيه التحديات المحلية والعالمية. وأتمنى أن تكون أيام المهرجان فرصة للتفاعل، ولطرح الأسئلة، ولتوسيع أفق الفكر الإنساني.

مرحبًا بكم في الجزائر،

ولتكن السينما جسرًا نحو مستقبل أكثر وعيًا… وأكثر إنسانية.

ومنه ، تكشف هذه الكلمة عن وعي مؤسسي بدور السينما كأداة تفكير، لا كوسيلة ترفيه فحسب ، مع وضع المهرجان في سياقه الإنساني العالمي، وربط بين التجارب الفردية التي تحملها الأفلام وبين مشروع ثقافي شامل تتبناه الجزائر، حيث يصبح الفن جزءً من رؤية حضارية تُعلي من قيمة الحوار والاختلاف.

ويمكن القول إن الخطاب يرسخ مفهومًا حداثيًا للسينما:

الفن بوصفه مسؤولية، والصورة بوصفها ذاكرة حيّة، والمهرجان بوصفه مساحة لامتداد الوعي عبر الثقافات، وهي بذلك

بيان ثقافي يحدد موقع السينما في حاضر الجزائر ومستقبلها الثقافي. بقلم : عباسية مدوني