- دهية آيت مولود… حين يتحول التجريد إلى لغةٍ تروي ما تعجز الكلمات عن قوله
لا يقاس الفن التجريدي بقدرته على محاكاة الواقع، بل بقدرته على إعادة اكتشافه من خلال اللون والخط والرمز. ومن هذا المنطلق، تنسج الفنانة التشكيلية دهية آيت مولود تجربة بصرية خاصة، تجعل من اللوحة فضاءً مفتوحًا للتأويل، ومن المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد مشاهد يكتفي باستقبال الصورة.
ولدت دهية بمدينة سيدي بلعباس سنة 1979، وعاشت بها اثنتي عشرة سنة قبل أن تستقر في تيزي وزو، حيث انخرطت منذ سنة 1993 في دار الثقافة مولود معمري. وهناك بدأت موهبتها تنضج، بعدما اكتشفت شغفها بالرسم وهي في الثالثة عشرة من عمرها. ورغم مسارها الأكاديمي في التسيير وقانون الأعمال، وعملها كإدارية بالمستشفى الجامعي بتيزي وزو، ظل الفن مساحتها الأكثر حرية، واللغة التي تعبر بها عن رؤيتها للعالم.
تكشف لوحاتها عن وعي تشكيلي واضح، يقوم على توازن الكتل اللونية مع الخطوط الحرة، وعلى بناء بصري يبتعد عن النقل المباشر للأشياء، ليقترب من جوهرها الإنساني. فالألوان ليست مجرد عناصر جمالية، بل شحنات شعورية؛ الأزرق يوحي بالسكينة والعمق، والأحمر يختزل الحركة والانفعال، بينما تتناغم بقية الألوان لتمنح اللوحة إيقاعًا بصريًا نابضًا بالحياة.
ويتكرر في أعمالها حضور الوجوه المجزأة والعيون والرموز الهندسية، في إشارات تتجاوز الشكل إلى الدلالة، حيث يصبح الإنسان محورًا للتساؤل، والذاكرة عنصرًا أساسيًا في بناء العمل الفني. كما تستحضر بعض اللوحات ملامح المدن والأزقة والنوافذ، لا بوصفها فضاءات واقعية، بل باعتبارها ذاكرة وجدانية تتداخل فيها التجربة الشخصية مع الإحساس الجمعي.
ولا يبدو اختيار دهية للفن التجريدي خيارًا تقنيًا فحسب، بل رؤية فكرية تؤمن بأن اللوحة لا تكتمل إلا بتعدد قراءاتها. فهي ترفض المعنى الواحد، وتمنح المتلقي حرية البحث عن حكايته الخاصة داخل كل عمل، لتصبح اللوحة حوارًا مفتوحًا بين الفنان والجمهور.
إن تجربة دهية آيت مولود تؤكد أن التجريد ليس ابتعادًا عن الواقع، بل اقترابًا من أعماقه الخفية، حيث يتحول اللون إلى ذاكرة، والخط إلى لغة، واللوحة إلى مساحة إنسانية رحبة، تثبت أن الفن الحقيقي لا يصف العالم كما نراه، بل كما نشعر به. بقلم : عباسية مدوني
Sign in
Welcome! Log into your account
Forgot your password? Get help
وطني
Password recovery
Recover your password
A password will be e-mailed to you.





