إصدار جديد من توقيع الدكتور علي كريم يستنطق الجسد كحقيقة معرفية وجمالية في المسرح.
صدر مؤخرًا عن الهيئة العربية للمسرح كتابٌ جديد للباحث الدكتور “علي كريم” ، موسوما بـ «الجسد والمسرح: تجليات الأداء والتعبير»، وهو عمل أكاديمي غنيّ، يُمثّل خلاصة سنواتٍ من البحث والتأمل في العلاقة الجدلية بين الجسد والمشهد المسرحي، بين ما يُرى على الخشبة وما يُحسّ في أعماق المتلقي.
هذا الكتاب لا يقدّم الجسد كوسيلة أداء فحسب، بل كلغة فكريةٍ وفنيةٍ نابضة، تسكنها الدلالات، وتنبثق منها الرموز، لتغدو الجسدانية في المسرح فعلاً معرفيًا وجماليًا يعبّر عن الإنسان في جوهر وجوده.
الجسد بوصفه لغةً ووعاءً للمعنى
ينطلق الدكتور علي كريم من فرضيةٍ جوهريةٍ مفادها أن المسرح لا يُفهم بعيدًا عن الجسد، لأن هذا الأخير هو أول وسائط التعبير الإنساني، ومن خلاله تبلورت الطقوس الأولى التي شكلت النواة الأساسية للفعل المسرحي.
فالمؤلف لا يرى في الجسد مجرد “أداة تمثيل”، بل يعتبره كائناً دلالياً يحمل في حركته وصمته وإيماءاته ذاكرة الإنسان وثقافته، ويمثل في الوقت نفسه جسرًا بين الممثل والعالم.
إنه يذهب أبعد من التحليل الأدائي إلى مساءلة الجسد بوصفه نصًّا مفتوحًا، يُكتب بالحركة والإيقاع والتوتر الداخلي، ليعيد بذلك مركزية الجسد كـ جوهر المسرح وشرطه الوجودي.
قراءة أنثروبولوجية وفلسفية ودينية متشابكة
يتوزع الكتاب على فصولٍ تُعالج الجسد في أبعاده الأنثروبولوجية، الفلسفية، الجمالية والدينية، ضمن مقاربةٍ معرفيةٍ متكاملة.
يربط المؤلف بين الجسد والمقدّس، بين التعبير الطقسي والتجلي الجمالي، كاشفًا عن التاريخ العميق للجسد في الوعي الإنساني، منذ العصور الأولى وحتى الفنون المعاصرة.
ويتناول أيضًا التوتر القائم بين المحظور والمباح، وبين الرغبة والقيد، في علاقةٍ نقديةٍ جريئة مع البنى الدينية والاجتماعية والسياسية التي تحدد وضع الجسد في المسرح العربي والشرقي، مقارنًا ذلك بالمنظور الغربي الذي وإن بدا أكثر تحررًا، إلا أنه لا يخلو من أيديولوجيات تحدّ من حرية الجسد التعبيرية.
الجسد في المسرح الحديث: من الإيماءة إلى اللغة البصرية.
في مقارباته الفنية، يقدّم الكتاب تحليلًا معمقًا للمناهج الإخراجية الحديثة التي منحت الجسد موقع الصدارة في التكوين الدرامي، وأقصت الكلمة لصالح الفعل الحركي واللغة البصرية.
ويقدّم الدكتور علي كريم قراءة نقدية متوازنة لهذه الاتجاهات، تُبرز طاقتها الإبداعية، لكنها في الوقت ذاته تُحذّر من خطر انزلاقها نحو التجريب الفارغ أو فقدان المعنى.
إنه يُعيد الاعتبار إلى الجسد بوصفه فضاءً تواصليًا مع المتلقي، يختزن العاطفة والفكر في آن، ويُحوّل الخشبة إلى مجالٍ حيّ تتحرك فيه الأفكار كما تتحرك الأجساد.
المسرح الجزائري والعربي في مرآة الجسد.
يولي المؤلف أهمية خاصة للسياق العربي، والجزائري على وجه التحديد، في بحثه حول تحولات الجسد في المسرح المحلي.
يقرأ تاريخ المسرح الجزائري من منظور جسداني، محلّلًا كيف تعامل المسرحيون الجزائريون مع الجسد بين الطقسي والرمزي، بين القيود الاجتماعية والتطلعات الجمالية.
ويبرز أن الهوية المسرحية الجزائرية ما زالت تخوض معركة الوعي الجسدي، في مجتمعٍ تتنازعه القيم التقليدية ومتطلبات الحداثة، لكنه يشيد بمحاولات بعض التجارب التي استطاعت أن تجعل من الجسد رمزًا دلاليًا يعبر عن المقاومة، الحرية، والذاكرة الجماعية.
إسهام فكري في المنظومة الإبداعية المسرحية.
يُعدّ كتاب «الجسد والمسرح: تجليات الأداء والتعبير» إضافةً نوعية إلى المكتبة المسرحية العربية، لما يقدمه من رؤية فلسفية وجمالية متجددة تربط بين النظرية والممارسة، بين الفكر والفعل المسرحي.
فهو لا يكتفي بالتحليل، بل يُقترح منهجًا للقراءة الجديدة للمسرح من خلال الجسد، باعتباره كينونة معرفية وجمالية ووجودية.
وفي زمنٍ يشهد فيه المسرح تحولات عميقة نحو الأداء الجسدي والتجريب البصري، يأتي هذا الإصدار ليؤكد أن العودة إلى الجسد ليست عودة إلى الغريزة، بل إلى الوعي الأول، إلى الإنسان وهو يصنع المعنى بجسده قبل كلمته.
ومنه ، لنا ان نعتبر هذا الإصدار مرجعًا غنيًا يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول معنى التمثيل، وحدود التعبير، وشرعية الجسد كفاعلٍ ثقافيٍّ وإنسانيٍّ في المسرح.
ولعلّ القيمة الأعمق للكتاب تكمن في قدرته على تحرير الجسد من التابوهات، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: فضاء الخشبة، حيث يتكلم الصمت وتفصح الحركة عمّا تعجز عنه اللغة.
بقلم : عباسية مدوني





