طاقم فني جزائري بالكامل… صفحة جديدة تُكتب بعقلية أبناء المنتخب وروح الجزائر
ليست كرة القدم مجرد نتائج تُسجّل على لوحة إلكترونية، ولا هي أسماء تتعاقب على مقاعد البدلاء، بل هي في لحظات كثيرة مسألة هوية، وثقة، وقدرة على تحويل الموهبة إلى مشروع، والطموح إلى إنجاز.
ومن هذا المنطلق، يأتي قرار الاتحاد الجزائري لكرة القدم بتعيين إبراهيم حمداني ناخبًا وطنيًا جديدًا، بمساعدة الدولي السابق عنتر يحيى، وتعيين موسى صايب مناجيرًا عامًا للمنتخب، ليعلن عن بداية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الثقة في الكفاءة الجزائرية.
القرار يأتي بعد انتهاء العلاقة التعاقدية مع السويسري فلاديمير بيتكوفيتش، الذي قاد المنتخب خلال مرحلة امتدت قرابة عامين ونصف، وتمكن خلالها من بلوغ كأس العالم 2026 وتجاوز دور المجموعات قبل الخروج في ثمن النهائي أمام سويسرا.
لكن المرحلة الجديدة لا ينبغي أن تُقاس بمنطق المقارنة مع الماضي، وإنما بما يمكن أن تصنعه من مستقبل.
أبناء الخُضر… يعرفون معنى القميص
ميزة الطاقم الجزائري الجديد لا تكمن فقط في جنسية أفراده، وإنما في معرفتهم العميقة بخصوصية المنتخب الجزائري.
إبراهيم حمداني ليس غريبًا عن أجواء كرة القدم الجزائرية، وعنتر يحيى يحمل في ذاكرته واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في تاريخ المنتخب، أما موسى صايب فهو اسم ارتبط بجيل ذهبي من الكرة الجزائرية.
هؤلاء لا يحتاجون إلى شرح معنى أن يلعب المنتخب أمام جماهير تنتظر منه الكثير، ولا إلى تفسير حجم المسؤولية عندما يحمل اللاعب قميص الجزائر.
لكن الانتماء وحده لا يصنع النجاح.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى المعرفة، والعمل، والانضباط، والصرامة، والقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن العاطفة.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للطاقم الجديد.
الثقة في المدرسة الجزائرية… ولكن بشروط النجاح
لطالما امتلكت الجزائر مواهب كروية ومدربين ولاعبين سابقين قادرين على صناعة الإضافة، غير أن التحدي لم يكن يومًا في وجود الكفاءات، بل في كيفية تحويل هذه الكفاءات إلى منظومة عمل مستدامة.
فالمنتخب الأول لا يحتاج إلى مدرب فقط، وإنما إلى مشروع.
مشروع يبدأ من اكتشاف المواهب، ويمر عبر متابعة اللاعبين في مختلف البطولات، ويصل إلى بناء مجموعة متجانسة قادرة على المنافسة قاريا ودوليا.
والأهم أن تكون هناك رؤية واضحة في التعامل مع الجيل الجديد، دون التفريط في أصحاب الخبرة، ودون أن تتحول عملية التجديد إلى هدم لما هو قائم.
عنتر يحيى… من ذاكرة الملعب إلى غرفة القرار
يحمل وجود عنتر يحيى في الطاقم الجديد رمزية خاصة.
فهو أحد اللاعبين الذين عاشوا المنتخب من الداخل، وعرفوا معنى الضغط، والانتصار، والهزيمة، والجمهور، والقميص الوطني.
لكن القيمة الحقيقية لمهمته لن تكون في استحضار الماضي، وإنما في تحويل تجربته إلى معرفة يستفيد منها الجيل الحالي.
فالمنتخب لا يحتاج إلى استعادة ذكريات الأمس بقدر ما يحتاج إلى صناعة ذكريات جديدة.
موسى صايب… الخبرة في خدمة المشروع
أما حضور موسى صايب في منصب المناجير العام، فيمنح الطاقم الجديد بعدًا آخر؛ إذ إن إدارة المنتخب الحديث لا تتوقف عند الجانب الفني.
هناك التواصل، والتنسيق، والمتابعة، والعلاقة مع الأندية، واللاعبين، والهيئات، وإدارة مختلف الملفات التي تحيط بالمنتخب.
وهنا تكمن أهمية وجود منظومة متكاملة بدل الاعتماد على المدرب وحده.
من مونديال 2026 إلى صفحة جديدة
المنتخب الجزائري خرج من مونديال 2026 وقد حقق جانبًا من أهدافه بالعودة إلى النهائيات وتجاوز دور المجموعات، لكنه في المقابل ترك خلفه أسئلة كثيرة حول مستقبل المجموعة والخيارات الفنية.
واليوم تبدأ صفحة أخرى.
الاستحقاقات القادمة، وفي مقدمتها تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، لن تمنح الطاقم الجديد وقتًا طويلًا للتجريب.
لذلك سيكون المطلوب واضحًا: منتخب أكثر استقرارًا، أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على فرض شخصيته.
لا نريد شعارات… نريد مشروعًا
الرهان الحقيقي اليوم ليس أن نقول إن الطاقم جزائري.
الرهان أن نثبت أن الكفاءة الجزائرية قادرة على بناء منتخب قوي عندما تتوفر لها الثقة، والاستقرار، والإمكانيات، والوقت، والعمل المؤسساتي.
فالمدرب الجزائري لا ينبغي أن يحصل على فرصة لأنه جزائري فقط، كما لا ينبغي أن يُرفض لأنه جزائري.
المعيار يجب أن يكون واحدًا:
الكفاءة والنتائج والمشروع.
وإذا اجتمعت هذه العناصر، فإن منح الثقة لأبناء المدرسة الجزائرية يمكن أن يتحول من قرار ظرفي إلى بداية لمسار جديد في كرة القدم الوطنية.
الجزائر تنتظر منتخبًا يشبهها
الجمهور الجزائري لا يطلب المستحيل.
إنه يريد منتخبًا يقاتل، ويؤمن بقدراته، ويحترم قميصه، ويلعب بشخصية، ويخسر إن خسر وهو قدّم كل ما لديه، وينتصر لأنه كان الأفضل.
واليوم، مع طاقم جزائري بالكامل، ترتفع سقوف الأمل، لكن معها ترتفع المسؤولية أيضًا.
لقد عاد أبناء الجزائر إلى بيت المنتخب.
والآن تبدأ المهمة الأصعب:
أن يجعلوا هذا البيت أكثر قوة، وأن يحولوا الثقة إلى عمل، والعمل إلى نتائج، والنتائج إلى إنجازات تليق بتاريخ الخُضر وطموح جماهيرهم.
فالقميص الأخضر لا يحتاج فقط إلى من يدربه…
بل إلى من يؤمن به، ويعرف قيمته، ويملك الشجاعة لبناء مستقبله.
بقلم : عباسية مدوني
Sign in
Welcome! Log into your account
Forgot your password? Get help
وطني
Password recovery
Recover your password
A password will be e-mailed to you.





