ظاهرة السحر تهدد كيان وإستقرار المجتمع .. أئمة ومختصون يحذرون

0
243

الرقية الشرعية بين الأمل والخرافة: دعوة للوعي والتفكير العميق

في زمن تتزايد فيه التحديات والهموم، يبرز موضوع الرقية الشرعية كأحد القضايا الأكثر جدلًا في المجتمعات الإسلامية. إذ تتعدد الآراء حولها، بين من يعتبرها وسيلة للشفاء والتقرب إلى الله، ومن يرى فيها مجرد خرافات وشعوذة تثير الخوف والهلع. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة التنقيب عن السحر في المقابر، حيث يُستغل خوف الناس من السحر لإثارة الذعر وزرع الشك في النفوس، مما يثير تساؤلات عميقة حول المسؤولية الملقاة على عاتق ممارسي الرقية.

الشيخ عيسى فلاح، في خلاصة قوله حول سحر المقابر، يشير في منشوره على صفحته الشخصية إلى أن “النية التي عمل بها السحر كانت خبيثة، لكن الساحر الذي عمل السحر كان أخبث مجرد هفاف ماكر”. وهذا التصريح يعكس قلقه من استغلال الضعف البشري من قبل بعض السحرة الذين يستغلون مخاوف الناس لتحقيق مكاسب شخصية. فهو يحث الناس على عدم الاندفاع وراء هذه المخاوف، مؤكدًا أن “غالب ما يُظن أنه سحر، ما هو إلا خربشات لا تنفع ولا تضر”، مما يعكس أهمية التفكير النقدي وعدم الانجراف وراء الشائعات.

في هذا الإطار، يطرح محمد خنشلة على صفحته الشخصية ، أحد رواد التواصل الاجتماعي، نقاطًا مهمة حول القضايا المرتبطة بالسحر. حيث يقول: “ماشي إذا لقيت صباطك يطايش في المقبرة تقول راني مسحور”. هذا التصريح يعكس ضرورة التحلي بالعقلانية وعدم الانجراف وراء الخرافات. ويضيف: “هذه صورة ملابس وجدوها في المقبرة ليست دليلا على السحر ممكن جرفتها المياه “. هذا الرأي يتماشى مع التحذيرات التي أطلقتها جمعية العدل، التي دعت إلى عدم نشر صور السحر عند العثور عليها، مشيرة إلى أن “عندما يُعثر على عمل سِحر في المقابر أو غيرها، يُرجى عدم نشر صورته أو تداوله عبر وسائل التواصل، لما في ذلك من إثارة للبلبلة بين الناس دون فائدة”.

كما حذرت احد الجمعيات من خلال منشورها عبر الفايسبوك من إمكانية تجديد السحر عندما يعلم الساحر أنه قد تم العثور على عمله، مما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا. لذلك، توصي الجمعية بأن “الأولى والأصوب هو إبطاله بهدوء، مع احتساب الأجر عند الله، فذلك أنفع وأحكم”. وفي حالة تطلب الأمر، يُنصح بإخبار المسحور فقط بسرية، مما يعكس أهمية التعامل مع هذه الأمور بحذر وحكمة.

إن الرقية الشرعية، إذا ما مورست بشكل صحيح، يجب أن تُعتبر مصدرًا للأمل والشفاء، بعيدًا عن أي ممارسات قد تؤدي إلى نشر الخرافات.

ومع ذلك، يظهر في الأفق بعض الأفراد الذين يزعمون أنهم يساعدون الناس من خلال ممارساتهم، لكنهم في الواقع يدخلونهم في دوامة من الشك والوسواس. الشيخ جلول قسول يقول: “ظاهرة التنقيب عن السحر في المقابر ونشر الذعر بين المسلمين هو في أصله شعوذة وأضرار بالناس وليس في نفعهم شيء”. هذا التحذير يدل على أن هذه الممارسات ليست فقط غير مفيدة، بل قد تكون ضارة، حيث تساهم في تعزيز الخوف والقلق لدى الناس.

هؤلاء المعالجون، الذين قد يعتقدون أنهم يقدمون العون، يساهمون في زيادة الأذى النفسي أكثر من الساحر نفسه. فهم يثيرون المخاوف ويعززون الأوهام، مما يؤدي إلى استنزاف أموال الناس وطاقاتهم، دون تقديم أي فائدة حقيقية. كما أن ما يفعله هؤلاء الذين يعتقدون أنهم يساعدون الناس ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، حسب قول الشيخ عيسى فلاح، هو “أدخلهم في دائرة الشك والوسواس والاضطراب، وألحقوا بهم الضرر أكثر من الساحر نفسه”.

في الجزائر، تم اتخاذ إجراءات قانونية صارمة للحد من انتشار ظاهرة السحر والشعوذة. إذ تنص المادة 303 مكرر 42 وما تلاها على عقوبة تصل إلى ثلاث سنوات حبسا، بالإضافة إلى غرامة مالية قد تصل إلى 300 ألف دينار جزائري. وتزداد العقوبة في حال ما إذا ترتب عن السحر والشعوذة ضرر جسدي أو معنوي، حيث تصل العقوبة في هذه الحالة إلى سبع سنوات حبسا وغرامة مالية تصل إلى 700 ألف دينار. كما أضاف الوزير أن “إذا أدت هذه الأفعال إلى المساس بحرمة الحياة الخاصة وشرف وكرامة الأشخاص والنصب والاحتيال عليهم، فإن العقوبة تكون أشد لتصل إلى 10 سنوات حبسا وغرامة مالية قد تصل إلى مليون دينار”. وأشار أيضًا إلى أن التعديلات الأخيرة على قانون العقوبات قد أقرت عقوبات على مروجي هذه الجرائم بأي وسيلة كانت، مما يعكس حرص الحكومة الجزائرية على حماية المجتمع من الأضرار الناتجة عن هذه الممارسات.

إن دعوة العلماء والمفكرين على حد سواء، هي لتعزيز الوعي والتفكير النقدي في موضوع الرقية الشرعية. ينبغي أن نركز على أهمية الإيمان والعلم، ونشجع على استخدام وسائل الشفاء الروحي الإيجابية مثل الدعاء وقراءة القرآن، بدلاً من الانغماس في الممارسات المشبوهة التي لا تنتهي إلا بزيادة القلق والخوف.

في هذا السياق، يبقى التوكل على الله والثقة في قدرته على الشفاء هما المفتاحان الرئيسيان للتغلب على الوساوس والتحديات النفسية. لذا، فلنرتقِ بوعينا ونحرص على أن تكون الرقية الشرعية وسيلة لبث الأمل والطمأنينة في النفوس، وليس مصدرًا للفزع والاضطراب.

بقلم إبراهيم عثمان