التنمية المستدامة، الحوكمة الرشيدة، الاستثمار المحلي وتمكين المواطن.. تحديات ترسم ملامح المرحلة المقبلة
مع انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بانتخابات تجديد أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، المقررة في 28 نوفمبر 2026، تدخل الساحة السياسية الجزائرية مرحلة جديدة من الحراك الانتخابي، تتجه فيها الأنظار إلى البرامج والتصورات التي تحملها الأحزاب السياسية والقوائم الحرة، في محاولة لاستقطاب ثقة الناخبين وتقديم بدائل تستجيب لانشغالات المواطن وتطلعاته إلى واقع محلي أكثر حيوية وفعالية.
وقد شهد اليوم الأول من الحملة الانتخابية، الخميس 5 نوفمبر، شروع رؤساء الأحزاب والمترشحين عبر مختلف ولايات الوطن في عرض برامجهم الانتخابية، التي تمحورت حول إشراك المواطن في تسيير الشأن المحلي، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز التنمية، والبحث عن آليات أكثر نجاعة لمعالجة المشكلات اليومية التي تواجه البلديات والولايات. وهي مضامين تعكس، في جانب منها، إدراكاً متزايداً لأهمية الدور الذي تؤديه المجالس المنتخبة باعتبارها الحلقة الأقرب إلى المواطن والأكثر اتصالاً بتفاصيل حياته اليومية.
وفي هذا السياق، برزت ضمن التصريحات والبرامج المعروضة خلال اليوم الأول توجهات تدعو إلى جعل المواطن شريكاً في صناعة القرار المحلي، وتفعيل دور المنتخبين في نقل الانشغالات واقتراح الحلول، إلى جانب الاستناد إلى خصوصيات كل منطقة وإمكاناتها الاقتصادية والجغرافية والديمغرافية عند وضع التصورات التنموية.
المجالس المحلية.. من التسيير الإداري إلى صناعة التنمية
لا تختزل الانتخابات المحلية في اختيار ممثلين داخل هيئات منتخبة، بل تتجاوز ذلك إلى تحديد ملامح التسيير التنموي والاجتماعي والاقتصادي للبلديات والولايات خلال العهدة المقبلة. فالبلدية، باعتبارها النواة الأساسية للتنظيم الإقليمي، مطالبة اليوم بالانتقال من منطق المعالجة الظرفية للانشغالات إلى منطق التخطيط الاستراتيجي، القائم على تحديد الأولويات، وترشيد الموارد، وتثمين الإمكانات المتاحة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى برامج انتخابية واقعية، لا تكتفي برفع سقف الوعود، وإنما تقدم مشاريع قابلة للتجسيد، بآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، تشمل تهيئة المحيط الحضري، وتحسين شبكات المياه والصرف الصحي والطرقات والإنارة العمومية، وتطوير النقل المحلي، والعناية بالمرافق الصحية والتربوية والثقافية والرياضية.
كما تفرض التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة إعادة التفكير في وظيفة المجالس المحلية، لتصبح فضاءات للمبادرة والابتكار، قادرة على استقطاب الاستثمار، ومرافقة المؤسسات الصغيرة والناشئة، وتشجيع المقاولاتية، وخلق فرص العمل، لاسيما لفائدة الشباب، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تنطلق من الخصوصيات الفلاحية والسياحية والصناعية والحرفية لكل منطقة.
رهانات المستقبل.. اقتصاد محلي منتج وإدارة عصرية
إن الرهان الحقيقي لمحليات 28 نوفمبر لا يرتبط فقط بتحسين المظهر العمراني للمدن والقرى، بل ببناء منظومة محلية منتجة، تجعل من الموارد المتاحة قاعدة للتنمية وخلق الثروة. فلكل بلدية مقومات يمكن تحويلها إلى فرص اقتصادية إذا ما أحسن استغلالها، سواء تعلق الأمر بالأراضي الفلاحية، أو المؤهلات السياحية، أو الأنشطة التجارية والصناعية، أو الموروث الثقافي والحرفي.
ويبرز في هذا الإطار تحدي الرقمنة باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحديث الإدارة المحلية، وتبسيط الإجراءات، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتعزيز الشفافية في تسيير الشأن العام. كما أن اعتماد قواعد البيانات المحلية وتحديد الاحتياجات بدقة من شأنه أن يساعد المنتخبين على توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية، بعيداً عن القرارات الارتجالية.
ولا يمكن الحديث عن نهضة محلية دون وضع الشباب في قلب المعادلة التنموية، من خلال فتح فضاءات للمبادرة والمشاركة، ودعم المشاريع الاقتصادية والثقافية والرياضية، وإشراك الكفاءات الجامعية والفاعلين الجمعويين في اقتراح الحلول وصياغة المشاريع. فالشباب ليسوا مجرد فئة مستهدفة بالبرامج، بل طاقة اقتراح وإنجاز يمكن أن تسهم في تجديد أساليب التسيير المحلي.
العدالة المجالية.. تنمية لا تترك منطقة خارج مسار التطور
من أبرز التحديات المطروحة أمام المجالس المحلية المقبلة تحقيق التوازن التنموي بين مختلف المناطق، بما يضمن تقليص الفوارق بين مراكز المدن ومناطقها الريفية، وبين البلديات ذات الموارد والإمكانات الكبيرة وتلك التي تحتاج إلى مرافقة إضافية.
ويقتضي ذلك تبني رؤية تنموية تراعي الخصوصيات المحلية، وتعمل على تحسين ظروف العيش في المناطق النائية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتطوير البنية التحتية، مع تثمين المؤهلات التي تزخر بها كل منطقة، حتى تتحول التنمية من مجرد توزيع للمشاريع إلى مسار متكامل لإنتاج القيمة وتحقيق العدالة في الاستفادة من الخدمات والفرص.
المواطن شريك في الرقابة والتقييم.. والمسؤولية لا تنتهي عند صناديق الاقتراع
إذا كانت الحملة الانتخابية محطة لعرض البرامج وكسب ثقة الناخبين، فإن ما بعدها يمثل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المنتخبين على الوفاء بالتزاماتهم. فالمواطن ينتظر مجالس تستمع إليه، وتتفاعل مع انشغالاته، وتضعه في صلب القرارات التي تمس محيطه المعيشي.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تكريس ثقافة المشاركة المجتمعية، وفتح قنوات دائمة للحوار مع الجمعيات والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب اعتماد آليات للمتابعة والتقييم والمساءلة، تتيح للمواطن الاطلاع على مدى تقدم المشاريع والنتائج المحققة.
كما أن نجاح العهدة المحلية المقبلة يتطلب تعزيز التنسيق بين المجالس البلدية والولائية ومختلف القطاعات التنفيذية، بما يسمح بتجاوز تشتت المبادرات وتداخل الصلاحيات، وتحقيق التكامل في تنفيذ المشاريع ذات الأثر التنموي.
من البرامج الانتخابية إلى عقد تنموي جديد
إن محليات 28 نوفمبر 2026 تفتح المجال أمام تجديد النقاش حول مستقبل الجماعات المحلية ودورها في مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. وبين ما تعرضه الأحزاب والمترشحون من برامج وما ينتظره المواطن من نتائج، تظل المصداقية والواقعية والقدرة على الإنجاز محددات أساسية في تقييم أي مشروع انتخابي.
فالنهضة المحلية لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما برؤية واضحة، وكفاءات قادرة على التسيير، وقرارات تستند إلى معطيات دقيقة، وإرادة جماعية تجعل من خدمة المواطن أولوية لا تقبل التأجيل.
وفي المحصلة، فإن الرهان الأكبر لهذه الانتخابات يتمثل في الانتقال من منطق الوعود إلى ثقافة الإنجاز، ومن التسيير التقليدي إلى الحكامة المحلية الحديثة، ومن انتظار الحلول إلى صناعة المبادرات. فحين تتحول البلدية إلى فضاء للإنتاج والاستثمار والابتكار، ويصبح المواطن شريكاً في القرار والتنمية، يمكن للمجالس المنتخبة أن تؤدي دورها في بناء نهضة شاملة، تنطلق من المحليات وتمتد آثارها إلى الوطن بأكمله.
*فالجزائر التي تتطلع إلى آفاق تنموية أوسع، تحتاج إلى بلديات فاعلة، ومجالس مسؤولة، ومنتخبين يجعلون من ثقة المواطن أمانة، ومن التنمية المحلية مشروعاً مستداماً يتجاوز حدود العهدة الانتخابية. بقلم : عباسية مدوني





