في مشهد ثقافي يعكس حيوية المسرح الجزائري وقدرته الدائمة على صناعة التميز، جمعية مسرح الشباب والطفل لدار الشباب سيدي لحسن، التابعة لديوان مؤسسات الشباب وتحت إشراف مديرية الشباب والرياضة لولاية سيدي بلعباس.
بصمت حضورًا لافتًا خلال فعاليات المهرجان الوطني للفكاهة الجزائرية للوان مانشو والمسرح الثنائي بولاية سعيدة، والذي نظم من 26 إلى 30 أفريل 2026، حيث تمكنت من تحقيق تتويجين مهمين أكدا قيمة العمل المسرحي الجاد وشغف الشباب بالفن الرابع.
وقد حصد عرض “الحنة” في طابع الوان مانشو جائزة لجنة التحكيم، جمع بين النص والإخراج للفنان شناح محمد الأمين، وأدّاه ببراعة الممثل بوزادي عبد الكريم، في تجربة فنية استلهمت من البيئة المحلية والرمزية الشعبية فضاءً دراميًا غنيًا بالدلالات. جاء العرض محمّلًا بأسئلة إنسانية واجتماعية عميقة، عالجها بأسلوب ساخر راقٍ يجمع بين البساطة والعمق، ويمنح المتلقي فرصة للتأمل في تفاصيل الواقع بروح فنية مبتكرة.
أما العرض الثنائي “هنا خير من لهيه” فقد تُوّج بجائزة أحسن عرض متكامل، وهو عمل مسرحي انطلق من فكرة الفنان شناح محمد الأمين، وأخرجه بن الحسين زواوي، بمشاركة متميزة لكل من رزوق رضوان ووادي أشرف. وقد استطاع هذا العرض أن يفرض حضوره بقوة من خلال تكامل عناصره الفنية من أداء وتمثيل وصورة بصرية وإيقاع ركحي متناغم، ليقدّم فرجة مسرحية متكاملة تنبض بالحياة وتؤكد أن الإبداع الحقيقي يولد من انسجام الفكرة مع الرؤية الإخراجية والصدق فوق الخشبة.
هذا التتويج المزدوج لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل متواصل وإيمان راسخ بأن المسرح رسالة قبل أن يكون عرضًا، وأن الخشبة ليست مجرد فضاء للتمثيل، بل مساحة لصناعة الوعي وبناء الإنسان. فقد نجحت الجمعية في ترسيخ حضورها كحاضنة حقيقية للمواهب الشابة، ومخبر فني يمنح للشباب فرصة التعبير والإبداع وصناعة الاختلاف.
كما يعكس هذا النجاح الدور الحيوي الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والشبابية في دعم الحركة المسرحية، وترقية الفعل الإبداعي، بخاصة حين يقترن ذلك بإرادة فنية صادقة ورؤية تؤمن بأن الفن وسيلة للارتقاء بالإنسان والمجتمع.
إن ما تحقق في سعيدة ليس مجرد تتويج بجائزتين، بل هو انتصار لقيمة المسرح نفسه، وانتصار لأولئك الذين يؤمنون أن الركح يمكن أن يكون وطنًا صغيرًا للحلم، ومنبرًا كبيرًا للحقيقة، ورسالة خالدة تكتبها الأرواح الشغوفة بالإبداع. بقلم : عباسية مدوني





