يشهد المغرب منذ أسابيع تصاعدًا خطيرًا في حدة الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت في الأصل بمطالب اجتماعية واقتصادية، لتتحول تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة مع أجهزة الأمن ، ومع اتساع رقعة المظاهرات، تواترت التقارير حول سقوط ضحايا من المدنيين العزّل برصاص قوات التدخل، وهو ما يضع الدولة في موقع اتهام مباشر بانتهاك الحق في الحياة والتظاهر السلمي. إنّ قتل مواطنين لم يحملوا سوى أصواتهم ولافتاتهم يكشف عن مأزق سياسي وأمني عميق، ويطرح بإلحاح أسئلة محرجة حول جدوى المعالجات الأمنية بدل الحوار، وحول غياب إرادة فعلية لتجنيب البلاد منزلقات أكثر خطورة قد تهدد الاستقرار والسلم الأهلي.
الحكومة عاجزة عن الحل
المغرب في مواجهة أزمة شاملة
لم تعد الأزمة المغربية مجرد احتجاجات متفرقة أو اضطرابات عابرة، بل تحولت إلى مشهد يومي شامل يمس مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، ويعكس هشاشة الوضع الداخلي في ظل عجز حكومي متفاقم عن إيجاد حلول واقعية.
1. تصاعد الاحتجاجات وتعدد مطالب الشارع
منذ أشهر، تشهد كبريات المدن المغربية موجات متتالية من المظاهرات والإضرابات، بعضها يندد بالتطبيع مع الكيان الصهيوني ويطالب بإصلاحات سياسية عميقة، وأخرى ترفع شعارات ضد الفساد والغلاء وسياسة التضييق. ما يجمع هذه الحركات الشعبية هو خطاب واحد: “العيش الكريم ورفض الصمت”.
هذا التصاعد الميداني يعكس فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، حيث لم يعد المواطن ينتظر إصلاحات من الداخل بقدر ما يطالب بقطيعة مع سياسات قائمة على الإقصاء والفساد.
2. اقتصاد مأزوم بين الجفاف والتصدير
الأزمة المعيشية زادتها حدة التداعيات المتكررة للجفاف، الذي أضعف قطاع الفلاحة باعتباره أحد ركائز الاقتصاد المغربي. ورغم ذلك، اختارت الحكومة مواصلة تصدير المنتجات الزراعية نحو أوروبا (إسبانيا وفرنسا أساسًا)، في وقت تعاني فيه الأسواق الداخلية من نقص حاد وارتفاع كبير للأسعار.
التقارير الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط كشفت ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 0.6%، وتضخمًا عامًا بلغ 2.4%، غير أن هذه الأرقام تبدو متحفظة مقارنةً بالواقع الميداني الذي يعيشه المواطن المغربي يوميًا.
3. شباب ضائع وبطالة خانقة
تتصدر البطالة بين الشباب المشهد المأساوي، حيث بلغت نسبًا لم تشهدها البلاد منذ عقود. آلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تقترب من الإفلاس، وفق الكونفدرالية المغربية للشركات الصغيرة، بسبب نقص التمويل وتأخر الصفقات العمومية، فضلًا عن عجز الشركات الكبرى عن تسديد مستحقاتها.
هذا الوضع ولّد ما بات يُعرف بـ “الهروب الكبير”، حيث يغامر شباب من مختلف المدن بأرواحهم لعبور الحدود بطرق غير شرعية، في محاولة يائسة للفرار من واقع اقتصادي واجتماعي مسدود.
4. انسداد سياسي وتعميق للأزمات
الإضرابات لم تعد مقتصرة على القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة، بل وصلت إلى مؤسسات حساسة مثل قطاع العدالة، ما يعكس انسدادًا سياسيًا خطيرًا. الحكومة، بدل أن تقدم حلولًا ملموسة، تلجأ إلى خطاب التبرير والتضليل عبر إخفاء المؤشرات الحقيقية للأزمة.
سياسة التطبيع التي انتهجها نظام المخزن مع الكيان الصهيوني لم تحقق أي مكاسب داخلية، بل على العكس، عمقت الهوة بين السلطة والشعب وأثارت موجة رفض عارمة، لتضاف إلى رصيد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
5. مستقبل غامض ومشهد مفتوح
المؤشرات الحالية تؤكد أن المغرب يعيش أخطر أزمة شاملة منذ عقود، أزمة لم تعد اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل سياسية وجودية تهدد تماسك الدولة. اتساع رقعة الغضب الشعبي، انسداد آفاق الإصلاح، وتزايد موجات الهجرة كلها عوامل تجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات أكثر تعقيدًا.
صفوة القول ، أن المغرب اليوم أمام مفترق طرق مصيري: إما الاستجابة لمطالب الشارع بانفتاح سياسي وإصلاح اقتصادي جذري، أو الانزلاق نحو مرحلة من عدم الاستقرار يصعب التحكم في تداعياتها. أما الحكومة الحالية، فيبدو أنها غارقة في دائرة العجز، مكتفية بسياسة الترقية الإعلامية بدل المعالجة الحقيقية.
بقلم : عباسية مدوني





