الماء ثروة حيوية تحت مسؤولية جماعية… وأرقام واقعية لحماية غد الجزائر

0
911

في ظل التحديات المناخية والضغط المتزايد على الموارد المائية، بات ترشيد استعمال المياه الصالحة للشرب، ضرورة ملحة للحفاظ على هذه الثروة الحيوية ، التي تشكّل أساس الحياة والتنمية المستدامة ، مع تقديم معطيات حقيقية تكشف حجم الأزمة وتوجهات الدولة لمواجهتها.

وتسعى السلطات العمومية، من خلال قطاع الموارد المائية، إلى تجسيد برامج عملية تهدف إلى ضمان تزويد منتظم وعادل للمواطنين بالمياه الشروب، وتحسين الإطار المعيشي، بما يضمن التوازن بين الطلب المتزايد والإمكانات المتاحة ،  وقد سخّرت الدولة إمكانيات مادية وبشرية معتبرة، عبر مشاريع هيكلية واستثمارات كبرى في مجال السدود، محطات التحلية، وشبكات التوزيع.

لكن، ورغم هذه الجهود، يبقى وعي المواطن وتفاعله الإيجابي مع هذه الحملات حجر الأساس لإنجاحها، من خلال المساهمة في ترشيد الاستهلاك واعتماد سلوكيات بسيطة وفعالة، مثل:

غلق الحنفيات بإحكام وعدم تركها مفتوحة دون حاجة.

استعمال أجهزة مقتصدة للماء في المنازل والمؤسسات.

إعادة استعمال المياه الرمادية في بعض الاستعمالات الثانوية (كالري والتنظيف).

تفادي الإسراف أثناء الاستحمام أو غسل السيارات.

هذا ، ويعتبر الماء العذب مورد  محدود، بل هو نعمة تستوجب المحافظة عليها والتعامل معها بالوعي والمسؤولية، تماماً كما هو الحال مع الطاقة  ، وتبقى المحافظة عليه ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطات والمواطنين والمجتمع المدني، من أجل ضمان الأمن المائي للأجيال الحالية والمقبلة.

وفي هذا السياق، لطالما دعت الجهات الوصية جميع المواطنين ووسائل الإعلام والجمعيات إلى مرافقة هذه الجهود وتكثيف الحملات التوعوية، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الاقتصاد في الماء وتحويلها إلى سلوك يومي راسخ ، بغية الحد من الهدر والتسربات وضمان توزيع عادل ومنتظم لهذه الثروة الحيوية، التي باتت تُعتبر على غرار الطاقة موردًا استراتيجيًا لا غنى عنه.

سياسة وطنية لتعزيز الأمن المائي

تسعى الدولة الجزائرية، عبر وزارة الموارد المائية والأمن المائي، إلى تنفيذ برامج هيكلية كبرى لتأمين حاجيات المواطنين من المياه الشروب، تقوم على تسريع مشاريع تحلية مياه البحر التي بلغت قدرتها المبرمجة نهاية 2024 نحو 3.7 مليون م³ يوميًا، مع هدف بلوغ 5.6 مليون م³ يوميًا بحلول 2030.

توسيع شبكة السدود والتحويلات التي تضم أكثر من 81 سدًا بطاقة تخزين تفوق 9 مليارات م³ ، إعادة استعمال المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، بما يفوق 200 محطة تطهير بطاقة قاربت  مليار م³ سنويًا، تكثيف برامج الكشف المبكر عن التسربات وتجديد الشبكات، وهي خطوة أساسية لتأمين توزيع منتظم.

وبذلك، تترجم الجزائر إرادتها السياسية في صون هذه الثروة الحيوية، وضمان حق الأجيال القادمة في مورد استراتيجي يتجاوز حدود الحياة اليومية ليصبح عنوانًا للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

أرقام عن التسربات  ترفع وتيرة اصلاح الاعطاب والتحسيس للحد من التبذير

125 لترًا يوميًا تم تحديدها كحد أقصى للاستهلاك الفردي ضمن مبادرات الوزارة لتوجيه السلوكيات نحو الترشيد ،كما تتضمن الاستراتيجيات إصلاح التسريبات، استبدال العدادات وتجديد الشبكات؛ حيث تم إصلاح 284 ألف تسرب وتحديث آلاف الوصلات.

1- حجم الاستهلاك الفردي للمياه الصالحة للشرب

يُقدَّر الاستهلاك اليومي للفرد الجزائري من مياه الشرب بـ 130 لترًا، وهو ما اعتُبر “إنجازًا كبيرًا” مقارنة بدول تعاني نقصًا حادًا .

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن الاستهلاك اليومي دخل في صعودًا محتملًا ليصل إلى 185 لترًا في اليوم بحلول عام 2025 .

2– الموارد المائية المتوفرة والاستنزاف

تبلغ الموارد المائية المتجددة للجزائر نحو 19 مليار متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل حوالى 450 متر مكعب للفرد سنويًا ، هذا الرقم يقع دون العتبة التي يُعتبر بعدها البلد فقيرًا بالمياه (أي أقل من 500 متر مكعب   للفرد سنويًا) كما تُقدّر كمية المياه المستهلكة سنويًا في الجزائر بـ حوالي 17 مليار متر مكعب، بينما الحاجة الحقيقية أكثر من 20 مليار ، يُتوقع أن يصل إجمالي الطلب على المياه إلى 18.9 مليار متر مكعب بحلول عام 2030 .

3-الاستثمار في قطاع المياه ومصادر جديدة

استثمرت الجزائر 23 مليار دولار بين عامي 2001 و2016 في مشاريع السدود ومحطات التحلية ومعالجة مياه الصرف، يستعمل حاليًا حوالي 42% من احتياجات مياه الشرب من المياه المحلاة، ومن المتوقع أن يرتفع هذا إلى 60% على المدى المتوسط ، و بحلول نهاية 2024، كانت الجزائر تُنتج 3.7 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، تغطي 42% من احتياجات 47 مليون نسمة .

ومن المخطط أن تصل الطاقة الإنتاجية إلى 5.6 مليون متر مكعب يوميًا بحلول عام 2030 ، كما تشير البيانات إلى أن شركة “الجزائرية للمياه” أنتجت ووزعت أكثر من 2.13 مليار متر مكعب من المياه الصالحة للشرب خلال سنة 2024، وذلك عبر 108 محطات معالجة و2077 محطة ضخ و8620 خزانًا .

المياه ليست مجرد مورد؛ إنها حق وطني، وهي مسؤولية مشتركة ، لا يكفي الاستثمار في البنى التحتية فقط، بل يجب غرس ثقافة الترشيد والحفاظ في نفوس المواطنين.

كما تبقى الدعوة مفتوحة لوسائل الإعلام والمجتمع المدني للانخراط أكثر في حملات التوعية والتوعية بما يليق بقيمة وسياسة هذا الوطن  ، لبناء وعي جماعي راسخ ، الأمر الذي يجعل من كل قطرة ماء عنوانا للمسؤولية والانتماء .

بقلم : عباسية مدوني